قول "حياتي لا معنى لها من دونه"

السؤال: تقدم لخطبتي شاب أحبه حبا عظيما، لكني علمت فيما بعد بأنه أصيب بمرض. أنا محطمة نفسيًا وأشعر بأن حياتي لا معنى لها إن مات حبيبي.
الإجابة: المؤمنة بالله تعالى لا تسمح أن يتعلق قلبها بمخلوق إلى هذه الدرجة مهما كان، فالواجب أن ترضي بقضاء الله وقدره، وتعلم أنها مخلوقة في هذه الحياة لهدف أسمى؛ وهو عبادة الله تعالى والعبادة هي المحبة التي بلغت أعلى درجاتها فاقتضت كمال الذل لله. والمؤمنة إذا حققت معنى العبادة هذا، فقلبها معمور بمحبة الله تعالى والانقياد له، والرضى بكل ما يحكم به قضاء منه وقدرًا، والامتثال لكل ما يحكم به شرعًا وأمرًا. وحينئذ فهي تستغفر الله تعالى أن تقول حياتي ليس لها معنى إن مات حبيبي فمثل هذا لا يقوله المؤمن بالله تعالى!!!

ومن أجل أن يبقى قلب المؤمنة يعي حقيقة الهدف من خلقه في هذه الحياة، حرم الله تعالى أن تقيم المرأة علاقة غرامية مع الرجل والعكس، خارج إطار الزوجية، لأن القلب حينئذ سيُفتن بالعشق، وقد يصل هذا إلى درجة العبادة، أو الوقوع في الفاحشة والمعصية، وجاءت الشريعة الإسلامية ترشد أن المرأة إذا أحبت رجلا أو العكس، فالحل هو الزواج، وفي الحديث "لم يُر للمتحابين مثل الزواج". فإذا لم يقدره الله تعالى لسبب من الأسباب، فعلى المؤمنة أن ترضى بقضاء الله تعالى وقدره، لا أن تموت متحسرة بأوهام العشق، كأنها لم تُخلق لهدف أسمى، وليس لحياتها معنى أعلى؛ وهو محبة الله تعالى خالقها وعبادته.

وأنصح السائلة أن تتوكل على الله تعالى وتتزوج هذا الخاطب إن كان يصلح لها دينًا وخلقًا، وتدعو الله تعالى أن يشفيه من مرضه، فالآجال بيد الله تعالى، لا يعلم بأي أرض تموت النفس إلا هو سبحانه وتعالى. وقد يعيش أكثر من كل الذين يخشون على حياته، ويتوقعون موته. أما إن كان مرضه معديًا، فلا يجوز لها أن تتزوجه لأنها تلقي بنفسها إلى التهلكة. وكان الواجب عليه أن لا يعلق قلب امرأة مسلمة به، وهو يعلم أنه يحمل مرضًا معديًا، فيصيبها بالضرر في روحها بتعلقها بمحبته والضرر في جسدها بمرضه فأي حب هذا الذي يلحق الضرر بمحبوبه؟!

فإن كتب الله تعالى عليه الوفاة في حياتها رضيت بقضاء الله وقدره، واحتسبت الأجر عند الله، فيكون لها ثواب الصبر، وما عند الله خير وأبقى. وفي الحديث أن العبد إذا أصيب بمصيبة فقال اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أبدله الله خيرًا.

هذا مع أنه يجب على السائلة أن لا تكون ساذجة أيضًا، فقد يكون الأمر كله غير صحيح، وأن الخاطب يريد أن يتراجع عن الخطبة لأسباب أخرى، فلفّق هذه القصة، والله أعلم بحقيقة الحال، لا نحكم بغير علم، ولكن من باب الاحتياط والاحتراز. وكم من امرأة كانت ضحية تعلق قلبها بمن ملأ سمعها بمعسول الكلام، بينما كان قلبه يطلب شيئًا آخر، فلما علم أنه لا يصل إلى مقصوده، أو ـ لا قدر الله ـ وصل إليه ونال شهوته، تراجع بخبث، وترك المسكينة مكسورة القلب، محطمة الفؤاد. كم من هذه القصص المأساوية حدثت وتحدث كل يوم.

وقد يكون ثمة ضغط عليه من أهله ليفسخ الخطوبة ، وهم الذين لفقوا قصة المرض.

وعلى أية حال فأنصح السائلة أن تفوض أمرها إلى الله، وتتوكل عليه، وتدعوه في صلاتها أن يختار لها ما هو خير، ويجعل عاقبة أمرها هذا رشدًا، لا أن تقترح على ربها شيئًا محددًا؛ بل تفوض الأمر كله إليه، وتجعله بين يديه، وتضع ثقتها كلها بربها وخالقها، وبهذا تؤدي أعظم عبادة وهي التوكل على الله. وأيضًا فلن يخيب الله تعالى من اختاره فتوكل عليه وفوّض أمره إليه دون ما سواه، وقد قال تعالى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا}.
والله أعلم.