فصل فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء الله

السؤال: فصل فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء الله
الإجابة: فصــل:

وأما المسألة الثالثة، فقوله‏:‏ فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء الله، فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وقدح في التوحيد، وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها وبغضها كراهة وبغض لقضاء الله تعالى ‏.

‏‏ فيقال‏:‏ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله آية، ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضى مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها؛ فهذا أصل يجب أن يعتني به، ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ‏}‏‏ ‏[‏محمد ‏:‏28‏]‏، وقال ‏:‏‏{‏‏وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ‏}‏‏ ‏[‏التوبة‏:‏59‏]‏، وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الديني الشرعي، لا الكوني القدري، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً‏"‏‏‏.‏

وينبغي للإنسان أن يرضى مما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع، لكن هل هو واجب أو مستحب‏؟‏ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم، أصحهما أنه مستحب ليس بواجب‏.‏

ومن المعلوم أن أوثق عُرَي الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله، وننهي عن المنكر ونبغضه ونسخطه ونبغض أهله ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه‏؟‏‏!‏ وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكر من المنهيات ‏:‏‏{‏‏كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً‏}‏‏ ‏[‏الإسراء‏:‏38‏]‏، فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها، فكيف لا يكرهها من أمر الله أن يكرهها ويبغضها، وهو القائل‏:‏ ‏{‏‏وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ‏}‏‏ ‏[‏الحجرات‏:‏7‏]‏‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ‏}‏‏ ‏[‏محمد‏:‏28‏]‏، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏‏فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ‏}‏‏ ‏[‏الزخرف‏:‏55‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ‏}‏‏ ‏[‏الفتح‏:‏6‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏‏يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏108‏]‏، فأخبر أن من القول الواقع ما لا يرضاه‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ‏}‏‏ ‏[‏النور‏:‏55‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏3‏]‏، وقال ‏:‏‏{‏‏وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ‏}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏7‏]‏، فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به، فلو كان يرضى كل شىء لما كان له خصيصة، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته"‏‏، وقال "إن الله يغار والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه‏"‏‏، ولابد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه وهذا باب واسع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - المجلد الثامن.