استعمال جلد النمر، وناب الفيل، والاتجار بهما

السؤال: سائل يسأل عن حكم بيع جلود النمور ونحوها من الوحوش، وكذا سن الفيل، وجواز الاتجار بهذه الأشياء؟
الإجابة: أما جلود النمور، ونحوها: فقال في (الإقناع)، و(شرحه): ويحرم افتراش جلود السباع من البهائم، والطير، إذا كانت أكبر خلقة من الهر؛ لما روى أبو داود، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع (1). واللبس كالافتراش؛ لحديث المقدام بن معديكرب أنه قال لمعاوية: أنشدك الله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع، والركوب عليها؟ قال: نعم (2) (رواه أبو داود).

قال ابن القيم رحمه الله: ومن الحكمة في ذلك: أنه نهى عنها؛ لما تؤثره في قلب لابسها من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع.

وقال في (الإقناع) و(شرحه) (3): لا بأس بلبس الفراء -جمع فروة- إذا كانت من جلد مأكول مذكى مباح، وتصح الصلاة فيها كسائر الطاهرات، ولا تصح الصلاة في غير ذلك كجلد ثعلب، وسَمُّور، وفنك، وفاقم، وسنور، وسنجاب، ونحوه: كذئب، ونمر، ولو ذكي ودبغ؛ لأنه لا يطهر بذلك.

وقال في (المغني): فأما جلود السباع: فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدبغ، ولا بعده، وبذلك قال الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما كراهة الصلاة في جلود الثعالب، وكرهه سعيد بن جبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق، وكره الانتفاع بجلود السنانير: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعَبيدة السَّلماني.
ولنا ما روى أبو ريحانة: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب النمور(4) (أخرجه أبو داود، وابن ماجه)، وعن معاوية والمقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها (5) (رواه أبو داود)، وروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع... (6).أ.هـ. (7).

وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه كان جلده نجساً، وهذا قول الشافعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع، وركوب النمور، وهو عام في المذكى وغيره؛ ولأنه ذَبْحٌ لا يطهر اللحم فلم يطهر الجلد كذبح المجوس، أو ذبح غير مشروع، فأشبه الأصل (8).

وأما بالنسبة إلى سن الفيل، وعظمه، ونحوه، فقال في (المغني): وعظام الميتة نجسة، سواء كانت ميتة ما يؤكل، أو ما لا يؤكل لحمه كالفيلة، ولا يطهر بحال. هذا مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق. وكره عطاء، وطاوس، والحسن، وعمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه عظام الفيلة؛ لقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (9)، والعظم من جملتها فيكون محرمًا، والفيل لا يؤكل لحمه، فهو نجس على كل حال.

وذهب مالك إلى: أن الفيل إن ذُكِّيَ فعظمه طاهر، وإلا فهو نجس؛ لأن الفيل مأكول عنده، وهو غير صحيح؛ لأن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع (10). رواه مسلم (11)، والفيل أعظمها نابا...

والقرن، والظفر، والحافر كالعظم، إن أخذ من مذكى فهو طاهر، وإن أخذ من حي فهو نجس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (12) (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب).

وكذلك ما يتساقط من قرون الوعول في حياتها، ويحتمل أن هذا طاهر؛ لأنه طاهر متصل مع عدم الحياة فيه فلم ينجس بفصله من الحيوان، ولا بموت الحيوان كالشعر.

والخبر أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة؛ لأنه بفصله يموت، فتفارقه الحياة، بخلاف هذا، فإنه لا يموت بفصله، فهو أشبه بالشعر. وما لا ينجس بالموت لا بأس بعظامه كالسمك؛ لأن موته كتذكية الحيوانات المأكولة.أ.هـ (13).

وأما بالنسبة لبيعها والاتجار بها: فحيث ثبت تحريم استعمالها فبيعها حرام، ولا يحل الاتجار بها، ولا أخذ ثمنها؛ لما روى أبو داود وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه" (14).

وصرح الفقهاء بتحريم بيع جلود السباع قال في (الروض المربع) (15): أما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خِلْقته أكبر من الهر، ولا يؤكل لحمه فلا يباح دبغه، ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، ولا يصح بيعه. انتهى.

▪ والأصل في هذا: حديث جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وهو بمكة يقول: "إن الله عز وجل ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير، والأصنام"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله اليهود؛ إن الله حرم عليهم الشحوم، فأجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (أخرجه البخاري ومسلم) (16)، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وزاد فيه: "وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه"، وأخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه".

قال ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) -بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها مما أورده في معناها-: فالحاصل: من هذه الأحاديث كلها: أن ما حرم الله الانتفاع به، فإنه يحرم بيعه، وأكل ثمنه، كما جاء مصرحاً به في الرواية المتقدمة: "إن الله إذا حرَّم شيئا حرَّم ثمنه"، وهذه كلمة عامة جامعة، تَطَّرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراماً (17). انتهى.

___________________________________________

1 - الترمذي (1770)، والنسائي في (المجتبى) (7/376)، و(الكبرى) (3/86)، وأبو داود (4132) عن أسامة بن عمير، وقال الترمذي بعد ذكر المرسل: وهذا أصح -يعنى-: المرسل.
2 - أبو داود (4131)، والنسائي كفي (الكبرى) (3/86)، و(المجتبى) (7/176).
3 - (كشاف القناع) (1/ 338).
4 - أبو داود (4049): نهى عن عشر: عن الوشر والوشم... وفيه: "وركوب النمور"، ورواه أيضًا النسائي في (الكبرى) (5/426)، و(المجتبى) (8 /149) مختصرًا، وابن ماجه (3655، 3656).
5 - أبو داود (4131)، والنسائي (مجتبى) (7/177)، و(الكبرى) (3/86)، وأحمد (4/ 131، 132).
6 - الدارقطني (3/ 7).
7 - (المغني) (1/ 92، 93).
8 - (المغني) (1/ 96) بتصرف.
9 - سورة المائدة: الآية (3).
10 - رواه البخاري (5530)، ومسلم (1932)، وغيرهما.
11 - في أحد نسخ (المغنى): متفق عليه.
12 - أبو داود (2858) بلفظ: "ما قطع"، والترمذي (1480)، وأحمد (5/ 218)، والدارمي (2/ 93) من حديث أبي واقد، وابن ماجه (3216) من حديث ابن عمر. قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر الطريقين: قال أبو زرعة: جميعًا وهمين، والصحيح حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، عن النبي- مرسل. ورواه ابن ماجه (3217) عن تميم. قال البوصيري في (الزوائد) (3/ 63): هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي بكر الهذلي.
13 - انتهى كلام صاحب (المغني) عند هذا الموضع. راجع (1/ 96- 100).
14 - أحمد (1/247)، (5/74)، وأبو داود (3488) مطولاً.
15 - انظر ص (20).
16 - البخاري (2236)، ومسلم (1581)، وأبو داود (3486).
17 - راجع (جامع العلوم والحكم) (2/ 447).