الخلاف في هذا الباب (باب حج المرأة والعبد)

السؤال: الخلاف في هذا الباب (باب حج المرأة والعبد)
الإجابة: [قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فذهب بعض أهل الكلام إلى معنى سأصف ما كلمني به ومن قال قوله، فزعم أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه أن يحج فيه فتركه في أول ما يمكنه كان آثماً بتركه، وكان كمن ترك الصلاة وهو يقدر على صلاتها حتى ذهب الوقت، وكان إنما يجزئه حجه بعد أول سنة من مقدرته عليه قضاء كما تكون الصلاة بعد ذهاب الوقت قضاء، ثم أعطانا بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها، فإن صلاها في الوقت، وفيما نذر من صوم، أو وجب عليه بكفارة أو قضاء، فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره، ثم قال في المرأة: يُجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي، ولا أعرف فيه حجة إلا ما وصفت من مذهب بعض أهل الكلام.

[قال الشافعي]: وقال لي نفر منهم: نسألك من أين قلت في الحج للمرء أن يؤخره وقد أمكنه؟، فإن جاز ذلك جاز لك ما قلت في المرأة؟ قلت: استدلالاً مع كتاب الله عز وجل بالحجة اللازمة، قالوا: فاذكرها، قلت: نعم (نزلت فريضة الحج بعد الهجرة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحاج، وتخلف هو عن الحج بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً)، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا كما تقولون لم يتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرض عليه؛ لأنه لم يصل إلى الحج بعد فرض الحج إلا في حجة الإسلام التي يقال لها حجة الوداع، ولم يدع مسلماً يتخلف عن فرض الله تعالى عليه وهو قادر عليه ومعهم ألوف كلهم قادر عليه لم يحج بعد فريضة الحج (وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم في وقتين وقال ما بين هذين وقت)، وقد أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعتمة حتى نام الصبيان والنساء، ولو كان كما تصفون صلاها حين غاب الشفق، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما أقدر على أن أقضيه حتى شعبان وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لامرأة أن تصوم يوماً زوجهاً شاهد إلا بإذنه".

[قال الشافعي]: فقال لي بعضهم: فصف لي وقت الحج، فقلت الحج ما بين أن يجب على من وجب عليه إلى أن يموت أو يقضيه، فإذا مات علمنا أن وقته قد ذهب، قال: ما الدلالة على ذلك؟ قلت ما وصفت من تأخير النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وكثير ممن معه وقد أمكنهم الحج، قال: فمتى يكون فائتاً؟ قلت: إذا مات قبل أن يؤديها أو بلغ ما لا يقدر على أدائه من الإفناد، قال: فهل يُقضى عنه؟ قلت: نعم. قال: أفتوجدني مثل هذا؟ قلت: نعم. يكون عليه الصوم في كل ما عدا شهر رمضان، فإذا مات قبل أن يؤديه وقد أمكنه، كفر عنه؛ لأنه كان قد أمكنه فتركه، وإن مات قبل أن يمكنه لم يكفر عنه؛ لأنه لم يمكنه أن يدركه قال: أفرأيت الصلاة؟ قلت: موافقة لهذا في معنى، مخالفة له في آخر، قال: وما المعنى الذي توافقه؟ فيه قلت: إن للصلاة وقتين أول وآخر، فإن أخرها عن الوقت الأول كان غير مفرط حتى يخرج الوقت الآخر، فإذا خرج الوقت قبل أن يصلي كان آثماً بتركه ذلك وقد أمكنه، غير أنه لا يصلي أحد عن أحد، قال: وكيف خالفت بينهما؟ قلت: بما خالف الله ثم رسوله بينهما، ألا ترى أن الحائض تقضي صوماً ولا تقضي صلاة ولا تصلي وتحج، وأن من أفسد صلاته بجماع أعاد بلا كفارة في شيء منها، وأن من أفسد صومه بجماع كفَّر وأعاد! وأن من أفسد حجه بجماع كفر غير كفارة الصيام وأعاد؟ قال: قد أرى افتراقهما فدع ذكره.

[قال الشافعي]: فإن قال قائل: فكيف لم تقل في المرأة تهل بالحج فيمنعها وليها أنه لا حج عليها ولا دم إذ لم يكن لها ذلك، وتقول ذلك في المملوك؟ قلت: إنما أقول لا حج عليها ولا دم على من كان لا يجوز له بحال أن يكون مُحرماً في الوقت الذي يحرم فيه والإحرام لهذين جائز بأحوال أو حال ليسا ممنوعين منه بالوقت الذي أحرما فيه إنما كانا ممنوعين منه بأن لبعض الآدميين عليهما المنع، ولو خلاهما كان إحراماً صحيحاً عنهما معاً، فإن قال: فكيف قلت ليهريقا الدم في موضعهما؟ قلت: نحر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في الحل إذ أحصر، فإن قال: ويشبه هذا المحصر؟ قيل: لا أحسب شيئاً أولى أن يقاس عليه من المحصر، وهو في بعض حالاته في أكثر من معنى المحصر، وذلك أن المحصر مانع من الآدميين بخوف من الممنوع فجعل له الخروج من الإحرام، وإن كان المانع من الآدميين متعدياً بالمنع، فإذا كان لهذه المرأة والمملوك مانع من الآدميين غير متعد كانا مجامعين له في منع بعض الآدميين وفي أكثر منه، من أن الآدمي الذي منعهما، له منعهما.

[قال الشافعي]: في العبد يهل بالحج من غير إذن سيده فأحب إلي أن يدعه سيده وله منعه، وإذا منعه فالعبد كالمحصر لا يجوز فيه إلا قولان والله أعلم، أحدهما: أن ليس عليه إلا دم لا يجزيه غيره فيحل إذا كان عبداً غير واجد للدم ومتى عتق ووجد ذبح، ومن قال هذا في العبد قاله في الحر يحصر بالعدو وهو لا يجد شيئاً يحلق ويحل ومتى أيسر أدى الدم. والقول الثاني: أن تقوم الشاة دراهم والدراهم طعاماً، فإن وجد الطعام تصدق به وإلا صام عن كل مد يوماً، والعبد بكل حال ليس بواجد فيصوم.

[قال الشافعي]: ومن ذهب هذا المذهب قاسه على ما يلزمه من هدي المتعة، فإن الله عز وجل يقول: {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}، فلو لم يجد هدياً ولم يصم لم يمنعه ذلك من أن يحل من عمرته وحجه ويكون عليه بعده الهدي أو الطعام، فيقال: إذا كان للمحصر أن يحل بدم يذبحه فلم يجده حل وذبح متى وجد أو جاء بالبدل من الذبح إذا كان له بدل ولا يحبس للهدي حراماً على أن يحل في الوقت الذي يؤمر فيه بالإحلال، وقاسه من وجه آخر أيضاً على ما يلزمه من جزاء الصيد، فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما}، فيقول: إن الله عز وجل لما ذكر الهدي في هذا الموضع وجعل بدله غيره، وجعل في الكفارات أبدالا، ثم ذكر في المحصر الدم ولم يذكر غيره كان شرط الله جل ثناؤه الإبدال في غيره مما يلزم، ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسراً دليلاً على ما أنزل مجملاً فيحكم في المجمل حكم المفسر كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل، مثلها رقبة في الظهار، وإن لم يذكر مؤمنة فيه، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولاً وذكروا في موضع آخر فلم يشترط فيهم العدول: هم عدول في كل موضع على ما شرط الله تعالى في الغير حيث شرطه، فاستدللنا والله أعلم على أن حكم المجمل حكم المفسر إذا كانا في معنى واحد، والبدل ليس بزيادة وقد يأتي موضع من حكم الله تعالى لا نقول هذا فيه: هذا ليس بالبين أن لازما أن نقول هذا في دم الإحصار كل البيان وليس بالبين وهو مجمل والله أعلم.

[قال الشافعي]: في المرأة المعتدة من زوج له عليها الرجعة، تهل بالحج إن راجعها فله منعها، وإن لم يراجعها منعها حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة فهي مالكة لأمرها ويكون لها أن تتم على الحج، وهكذا المالكة لأمرها الثيب تحرم يمنع وليها من حبسها ويقال لوليها: إن شئت فاخرج معها وإلا بعثنا بها مع نساء ثقات، فإن لم تجد نساء ثقة لم يكن لها في سفر أن تخلو برجل ولا امرأة معها، فإن قال قائل: كيف لم تبطل إحرامها إذا أحرمت في العدة؟ قلت: إذا كانت تجد السبيل إليه بحال لم أعجل بإبطاله حتى أعلم أن لا تجد السبيل إليه. وإن أهلت في عدة من وفاة أو هي قد أتى على طلاقها لزمها الإهلال ومنعها الخروج حتى تتم عدتها، فإن انقضت خرجت، فإن أدركت حجاً وإلا حلت بعمل عمرة، فإن قال قائل: فلم لا تجعلها محصرة بمانعها؟ قلت: له منعها إلى مدة، فإذا بلغتها لم يكن له منعها وبلوغها أيام يأتي عليها ليس منعها بشيء إلى غيرها، ولا يجوز لها الخروج حتى قيل قد يعتق قبل عتقه شيء يحدثه غيره له أو لا يحدثه وليس كالمعتدة فيما لمانعها من منعها فلو أهل عبد بحج فمنعه سيده حل، وإن عتق بعدما يحل فلا حج عليه إلا حجة الإسلام، وإن عتق قبل أن يحل مضى في إحرامه، كما يحصر الرجل بعدو فيكون له أن يحل، فإن لم يحل حتى يأمن العدو، لم يكن له أن يحل وكان عليه أن يمضي في إحرامه، ولو أن امرأة مالكة لأمرها أهلت بحج ثم نكحت، لم يكن لزوجها منعها من الحج؛ لأنه لزمها قبل أن يكون له منعها ولا نفقة لها عليه في مضيها ولا في إحرامها في الحج؛ لأنها مانعة لنفسها بغير إذنه، كان معها في حجها أو لم يكن، ولا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم. [قال الربيع]: هذه المسألة فيها غلط؛ لأن الشافعي يقول لا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم فلما أهلت هذه بحج ثم نكحت كان نكاحها باطلاً، ولم يكن لها زوج يمنعها وتمضي في حجها وليس لها زوج تلزمه النفقة لها؛ لأنها ليست في أحكام الزوجات، ولعل الشافعي إنما حكى هذا القول في قول من يجيز نكاح المحرم؛ فأما قوله: فإنه لا يجوز نكاح المحرم ولا المحرمة، وهذا له في كتاب الشغار.

[قال الشافعي]: وعلى ولي السفيهة البالغة إذا تطوع لها ذو محرم وكان لها مال أن يعطيها من مالها ما تحج به إذا شاءت ذلك، وكان لها ذو محرم يحج بها أو خرجت مع نساء مسلمات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأم - كتاب الحج.