هل تنصحون أن يتمذهب المسلم بأحد المذاهب الأربعة، يرجع إليها عند تضارب الآراء في ...

السؤال: هل تنصحون أن يتمذهب المسلم بأحد المذاهب الأربعة، يرجع إليها عند تضارب الآراء في بعض المسائل، وهل اتباع أحد المذاهب يؤدي إلى النجاة، وهل على المسلم تتبع الآراء الأخرى في كتب الخلاف؟
الإجابة: المسألة طويلة وقد ألفت فيها مؤلفات.

والواجب على المسلم أن يعلم معنى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله"، فمعنى شهادة المسلم أن لا إله إلا اله، أي لامعبود بحق إلا الله. ومعنى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله, أي لا متبوع بحق إلا رسول الله.

ومن دعا إلى اتباع إمام واحد دون سائر الأئمة، وأوجب على الأمة اتباع عالم بعينه، من الأئمة الأربعة أو من قبلهم أو ممن بعدهم، فهو ضال مضل يفسق ويبدع. فنحن لسنا بكريين ولا عمريين ولا عثمانيين ولا علويين. فنحن مسلمون نستسلم لأمر الله عز وجل، فلا نعبد إلا الله، ولا نتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وننسب أنفسنا للإسلام.

فادعاء وجوب اتباع عالم فقط ضلال لا يجوز، وهذا ما وقع فيه المتأخرون من المتمذهبين.

والمذهبية القديمة انقلبت الآن من اتباع المذاهب الأربعة إلى الحزبية، فتفرق الناس شذر مذر كل في حزب يدعو له، أما الربانية، وعقد سلطان الولاء والبراء والحب والبغض على الطاعة، وعلى العلم ونصرة الدين، والعمل على قيام الدين، ودعوة الناس إلى الدين وربطهم بالله واليوم الآخر، هذه أمور ضاعت هذه الأيام. وأصبح الواحد يبش في وجه أخيه إن كان من حزبه وإلا فيعرض عنه ولا يلتفت إليه، وإن كان أدين منه وأعلم وأتقى! فأصبحت الحزبية مذهبية جديدة.

وونحن ندعو إلى نصوص الشرع، واتباع الكتاب والسنة، ونحترم جميع علمائنا، ونتبرأ إلى الله ممن ينتقص قدرهم وممن يتكلم فيهم، وأولى العلماء بالاحترام الأئمة الأربعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، نترحم عليهم ونحبهم ونعرف قدرهم، لكن لا نوجب على الأمة ألا يتبعوا إلا واحداً منهم. فالحق موزع بينهم وبين غيرهم.

والعبرة بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة. وكلهم بين مصيب له أجران، ومخطئ له أجر. فمن لم يصب الدليل منهم فهو لم يتقصد أن يعارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

والأئمة الأربعة هم الذين أرشدونا وعلمونا أن نقول ما قلنا، فقد قيل للشافعي: يا أبا عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فما قولك أنت؟ فغضب الشافعي غضباً شديداً، وقال: "سبحان الله، أتراني خارجاً من كنيسة؟ أترى على وسطي زناراً؟ تقول لي: قال رسول الله وما قولك أنت؟ ما قولي إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وصح عنه قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وكان الواحد منهم يقول: يحرم الرجل أن يقول بما قلنا حتى يعلم من أين أخذناه.

وهؤلاء الأئمة الأربعة نذكرهم على وجه الخصوص؛ لأن الناس في فترة من الفترات تحزبوا لهم. حتى وصل الحال في التعصب لهم إلى أن ذكرت مسألة: هل يجوز للحنفي أن يتزوج الشافعية أم لا؟ وذلك لأن الأحناف عندهم من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو شاك في إيمانه، ومن شك في إيمانه فقد كفر، أما الشافعية فعندهم يجوز للمسلم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تبركاً وخوفاً من العاقبة. فلذا قال بعض متعصبي الحنفية هل يجوز للحنفي أن يتزوج الشافعية تنزيلاً لهم منزلة أهل الكتاب نعوذ بالله من هذا. والشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله، بريئون من هذا التعصب المقيت.

.. فنقول: الواجب على المسلمين أن يتبعوا القرآن والسنة، والرجال أدلاء على الحق، وقد يصيبون وقد يخطئون. والعصمة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست العصمة في قول أحد. لكن الخطأ الذي لا ينفك عن الانسان، لا ينقص قدر العالم، فهو معذور، ونحبه ونحترمه، فلا نطعن ولا نتكلم فيه، واتباع شخص بعينه لا يكون إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.

لكن في المسائل التي لا يوجد فيها أدلة وهي قائمة على الاستنباط والفهم، فالواجب على المسلم أن يتبع من يظن فيه الأهلية والتبحر والتوسع والضبط والعلم مع الورع والتقوى. فلا يمنع لطالب العلم أن يميل في مسألة ليس فيها نص لقول عالم من العلماء.

وأعلم الناس بهؤلاء الأئمة تلامذتهم. فكان المزني رحمه الله من أخص تلاميذ الشافعي رحمه الله، وكان يقول: "لو جاز لأحد أن يقلد أحداً ما قلدت إلا الشافعي"، ومع هذا ما كان مقلداً له.

والتقليد يجوز ضرورة خصوصاً للعامي. والتقليد لا ينفك عنه الإنسان؛ فالمشتغل بعلم الحديث لا يستطيع أن يتبحر في جزيئات الفقه أو اللغة. فلا بد أن يقلد من وضع قواعد اللغة في المسائل المشكلة، وهكذا في سائر العلوم. فالتقليد يجوز ضرورة. وقال الطحاوي مقولة شاعت وذاعت، قال: لا يقلد إلا غبي أو جاهل. فالتقليد ليس بعلم، والعلم أن تقول: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعرف المسألة وتعرف دليلها. والإنسان لا بد أن يعبد ربه على بصيرة وبينة، وعلى معرفة بما يحب الله ويرضى، والله أعلم.