كيف تجرَّأ الكفَّار على الإساءة لرسولنا؟

السؤال: بسم الله الرَّحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين،، أمَّا بعد،، بعد إساءة الدنمارك لرسولِنا العظيم - صلى الله عليه وسلَّم -نرى المسلمين جَميعهم توحَّدوا على كلمةٍ واحدةٍ، وهينُصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وكلّ واحدٍ يَجتَهد في تقديم ما يَستطيعُ من عمل. لكن يَبقى السؤال: كيف تَجرَّأ الكفَّار على إساءة رسولِنا العظيم - صلَّى اللهعليه وسلَّم؟ وما هي الأسباب الحقيقيَّة الَّتي يَجب أن يَعرفها ويَعمل بها كل مسلم؟ وجزاكم الله خيْرَ الجزاء.
الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فإنَّ الذي دَفَع عبَّادَ الصليب - عليهم لعائِنُ الله - إلى الطَّعن في نَبيِّ الرحمة، هو الحقدُ الدَّفين، والحسد الذي يملأ قلوبَهم على المسلمين ونبيِّهم الكريم، بالإضافة إلى أهداف أخرى بعيدة الغور، من أهمها:
سرعة انتشار الإسلام في بلادهم وفي أقوامهم، وعجزهم عن ردعه، وتكاثر أعداد المسلمين في بلادهم؛ بحيث أصبحوا يشعرون أن الإسلام سيكون له الأغلبية على بلادهم في المستقبل.
ولا شك أن الغالب على أهل الكفرالسعي للنَّيل من المسلمين، وهذا دأبهم منذ أوَّل أيَّام الدَّعوة الإسلاميَّة، ولو تعرَّضتْ أيّ أمَّة لِمِعشار مِعْشار ما تعرَّض له الإسلام والمسلمون من المَكْرِ والكيد والحرب المُعْلنة والخفيَّة لَماتت في المهد، قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]،
وقال: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]،
وقال سبحانه: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]،
وقال سبحانه: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 118-120]،
وقال سبحانه: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2].
حتى إنَّ أخلاقَهم الرَّذيلة، وطبْعَهم الخبيث، وحسدَهم للإسلام والمسلمين، وشدَّة عنادِهم وقلَّة عقولِهم مع كُفْرِهم وسبّهم لربّ العالمين - حَمَلهم على تفضيل عبَّاد الأصنام على المسلمين؛
كما قال تعالى: {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51].
إنَّه موقفُهم دائمًا من الحقّ والباطل، ومن أهل الحقّ وأهل الباطل.... إنَّهم ذَوُو أطماع لا تنتهي، وذَوُو أهواءٍ لا تعتَدِل، وذَوُو أحقادٍ لا تَزول! وهم لا يَجِدُون عند الحقّ وأهلِه عونًا لهم في شيء من أطماعِهِم وأهوائِهِم وأحقادِهم؛ إنّما يَجدون العونَ والنُّصرة - دائمًا - عند الباطل وأهله، ومِنْ ثَمَّ يَشهَدُون للباطل ضدَّ الحق؛ ولأهل الباطل ضدَّ أهل الحق!
وكان طبيعيًّا منهم أن يقولوا عن الذين كفروا: {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51]... ولكنهم لا يكفّون أبدًا عن تشويه الإسلام.. لأنَّ حقدهم على الإسلام ، وعلى كل شبح من بعيد لأيّ بعث إسلامي أضخمُ من أن يُدارُوه ولو للخداع والتمويه!
إنَّها جبلَّة واحدة، وخطَّة واحدة، وغاية واحدة .... هي التي من أجلها حكم الله عليهم باللَّعنة والطرْدِ، وفقْدان النصير، والذي يفقد نُصرة الله فما له من ناصرٍ وما له من مُعين، ولو نصره أهل الأرض كلهم : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [النساء: 52].... كما قال صاحب "الظلال".
بل إنَّ الغربَ الكافر يتسامَحُ مع كلّ المعتَقَدات والمِلَل، حتَّى مع عبدةِ الشَّيطان، ولكنَّه لا يظهر أيَّ تسامُح مع المسلمين، فكلّ شيءٍ مسموحٌ به إلا أن تكونَ مُسلمًا!! كما يقول مراد هوفمان في كتابه "الطريق إلى مكة".
هذا، وإنْ كنَّا نرى أنَّ من أهمّ أسباب تطاوُل الأصاغِر - المشركين - على سيّد الأوَّلين والآخِرين هو ضعفُ المسلمين وتفرُّقهم وترْكُهم العَمَلَ بِمُوجِب الكِتاب والسُّنَّة، وترْكُهم الجهادَ في سبيلِ اللَّه فإنَّه لا بدَّ للحقّ من قوَّة تَحميه، ولذلك
قال سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]
وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فذكر تعالى أنَّه أنزل الكِتاب والميزان، وأنَّه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط؛ ولِيعلمَ الله مَن ينصُرُه ورسُلَه، ولِهذا كان قوام الدّين بِكِتابٍ يَهدي وسيفٍ ينصر، وكفى بربّك هاديًا ونصيرًا، وقال: فكان المقصود الأكبر بذِكْر الحديد هو اتِّخاذ آلات الجِهاد منه؛ كالسَّيف والسّنان والنَّصل، وما أشبه ذلك الذي به يُنْصر اللهُ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم".
وما يَحدُث في أيَّامنا هذه منِ استِهْزاء الكافرين بِرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سعيًا لِهَزّ صورة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - ليس بالأمر الجديد، بل هو من القديم المتجدّد، فقد سبَّ مشركو قُريش رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وقالوا عنه إنه ساحرٌ أو كاهنٌ أو مجنون.. إلى غير ذلك من السفالات، فما ضَرَّ ذلك رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما نَقَص من قدره، فلا يَضُرُّ السحابَ نبحُ الكِلاب، وشتَّان بين الثُّريَّا والثَّرى،وأحمقُ مَن ناطح الصخرة وصدق الشاعر:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
ونحن نعلم أنَّ تطاوُل الرّعاع على سيّد الخلْق شديدٌ وقْعُه على المسلم الحقّ، بل من نَكَدِ الدّنيا على الحرّ أن يرى وضيعًا يتعرَّض لرفيع، وهو غثّ في دينه قذرٌ في دنياه، رثّ في مُروءته سمجٌ في هيئته، منقطع إلى نفسِه، راض عن عقله، لجوجٌ لا ينصِفُ إلا صاغرًا، ولا يعدل إلا راغمًا، ولا يرفع عن منزلة الأذلّ، قليلُ الخير جمُّ الضير، كذوبٌ خؤون ضيّق الصدر، لو أفلتَتْ مخزية لَم تَصِلْ إلا إليه، ولو نزلتْ لعنةٌ لم تكن إلا عليه! له كبدُ مُخنَّث وجسدُ نائحة، وشرَهُ قوَّاد وذلّ قابلة، وبَخْلُ كلْبٍ وحِرْص نبَّاش، ووحْشة قِرْد! ضيّق العطن لئيم الوطَن! كأنَّ ابن الحجَّاج عناه بقوله:
نَسِيمُ حُشٍّ وَرِيحُ مَقْعَدَةٍ وَنَفْثُ أَفْعَى وَنَتْنُ مَصْلُوبِ
وقصده الآخَرُ بقوله:
وَالأَصْلُ نَذْلٌ وَالدِّينُ ذُو دَخَلٍ وَالأَبُ فَدْمٌ وَالأُمُّ مُتَّهَمَهْ
وعناه شاعرُنا إذ يقول:
شَمَائِلُ تَيَّاسٍ وَخِفَّةُ حَائِكٍ وَتَقْطِيعُ طَبَّالٍ وَطَيْشُ مُخَنَّثِ
والواجب على المسلم ألا تَمُرَّ عليه هذه الأحداثُ مرورَ الكرام، ولنتعاوَنْ جَميعنا على نُصْرة نبيّنا - صلى الله عليه وسلَّم - والدّفاع عنْه كل على قدر استطاعته، وهو فريضةٌ على المسلمين كافَّة لا يَجوزُ التَّساهُل فيها.
قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8، 9].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "التَّعزير اسمٌ جامعٌ لِنَصره وتأيِيده ومَنْعِه من كلّ ما يُؤذيه، والتَّوقير: اسمٌ جامعٌ لكلّ ما فيه سَكينةٌ وطُمأنينة من الإجلال وأن يُعامل من التَّشريف والتَّكريم والتَّعظيم بِما يصونه عن كل ما يُخرجه عن حدّ الوقار".
وقال أيضًا: "أمَّا انتِهاكُ عرض رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنَّه مُنافٍ لدين الله بالكُلِّيَّة، العرض متَى انتُهك سقطَ الاحتِرام والتعظيم، فسقطَ ما جاء به من الرِّسالة، فبطَل الدّين، فقيام المدحة والثَّناء عليه والتَّعظيم والتَّوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوطُ الدين كله، وإذا كان كذلك وجب عليْنا أن نَنْتَصر له مِمَّنِ انتهك عرضَه" اهـ. من "الصارم المسلول".
وليعلَمْ كلُّ مُسلمٍ أنَّ مِنْ حقّ نَبيّ الرَّحمة: أن يَكونَ أحبَّ إليه من نَفْسِه وولدِه وجَميع الخَلق؛ كما دلَّ على ذلك قولُه سبحانه: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية [التوبة: 24]،
وكما ورد في صحيح البخاري عن عَبْداللهِ بن هِشَامٍ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَهوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ منْ كُلِّ شَيْءٍ إلاَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ)) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ واللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفْسِي. فَقَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((الآنَ يَا عُمَرُ))." وما ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "لا يُؤمِنُ أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليْهِ من ولده ووالده والنَّاس أجْمعين"؛ متَّفق عليه.
ومن الوسائل التي يُمكِنُ لكلّ مُسلمٍ أن يَستعينَ بِها في الذَّبّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلَّم:
1- نشْر سيرَتِه العطِرة، وإشاعة ما كان عليْهِ من مَكارم الأخلاق، وتزكية الله له والشهادة له بذلك.
2- تفنيد ما جاء في الصُّحف وغيرها من إساءةٍ وكشف زيف ما اتّهم به صلى الله عليه وسلم.
3- المقاطعة الاقتصاديَّة للدّول التي تَحمي مَن يَعتدون على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وذلِك بالامتِناع عن شِراء مُنتجاتِها وعن السياحة في بلدانِها.
4- بَذْل ما أمكن من الوسائل في دعوة الناس إلى دِين الإسلام، سواءٌ كان ذلك بالاتّصال المباشر أو عن طريق وسائلِ الاتّصال الهاتفيَّة أو الالكترونيَّة.
5- توحيد كلِمة المسلمين والحذَر من التفرّق؛ قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]
وقال سبحانه: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]
وذلك بأن يتمسَّك كلّ مسلم بسنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأن ينقادَ لأوامِرِه ويُظْهِر هدْيَه في الأقوال والأفعال،، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع الآلوكة على شبكة الانترنت.