لا يجوز هجر القرآن

السؤال: سائل يسأل هل يجوز للمسلم أن يهجر تلاوة القرآن طيلة العام، ولا يتلوه إلا في رمضان؟
الإجابة: أولاً: ينبغي أن نعرف معنى الهجر. فهجر القرآن ذَكَره الله في كتابه بقوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (1).

قال ابن كثير (2): وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعون إليه، كما قال تعالى عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} (3)، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره؛ حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه وترك الإيمان به. وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره: من شعر، أو قول، أو غناء، أو كلام، أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه. انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله في (الفوائد) (4): هجر القرآن أنواع:
- أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
- الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
- الثالث: هجر الحكم به والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.
- الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلِّم به منه سبحانه وتعالى.
- الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به من جميع أمراض القلوب وأدوائها، وكل هذا داخل في قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. انتهى.

فهذا كلام أهل العلم في معنى هجر القرآن.

وأما ما ذكروه في آداب قراءة القرآن. فقالوا: يُسن ختمه في كل أسبوع، يعني في سائر السنة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: (5) كان أبي يختم القرآن في كل أسبوع؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "اقرأ القرآن في سبع" (رواه البخاري) (6).
ويُكره تأخير ختم القرآن فوق أربعين يوماً بلا عذر.

قال الإمام أحمد (7): أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين. ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به. ويحرم تأخيره فوق الأربعين إن خشي نسيانه. قال الإمام أحمد: ما أشدَّ ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه. وروى البخاري ومسلم وغيرهما (8) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه، فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن"، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي. واستذكروا القرآن؛ فإنه أشد تَفَصِّيًا من صدور الرجال من النعم" (9). وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عُقُلها" (10). التفصي: التخلص. يقال: تفصى فلان من البلية: إذا تخلص منها.

قال ابن كثير: ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن، واستذكاره، وتعاهده؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير. نسأل الله العافية منه.أ.هـ.

قال ابن كثير: وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آياتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (11). وهذا الذي قاله وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن، وتعريضه للنسيان، وعدم الاعتناء به، فيه تهاون كبير، وتفريط شديد، نعوذ بالله منه ... إلى آخر ما ذكره ابن كثير رحمه الله.

___________________________________________

1 - سورة الفرقان: الآية (30).
2 - (6/117).
3 - سورة فصلت: الآية (26).
4 - ص (111). طبعة نزار مصطفى الباز الرياض.
5 - انظر (المغني) (5/ 611).
6 - البخاري (5052، 5054).
7 - انظر (المغني) (2/611، 612).
8 - أخرجه البخاري (5031)، ومسلم (789)، وأحمد (2/ 36) وهذا لفظه.
9 - البخاري (5032، 5039)، ومسلم (790).
10 - البخاري (5033)، ومسلم (791).
11 - سورة طه: الآية (124، 125، 126).