شعار أهل البدع - توزيع الهريسة

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعض من أهل السنة يطلقون على الحسين رضي الله عنه لفظ (عليه السلام)، كما إنهم يهتمون بتوزيع بعض أنواع من الأطعمة في يوم مقتله، ويؤمنون ببعض البدع؛ كبكاء السماء، وشدة العواصف في ذلك اليوم، وكل ذلك تأثراً بمن حولهم من الشيعة. فما حكم الإسلام في ذلك؟ وما الكلمة التي توجهونها لمثل هؤلاء؟ وجزاكم الله خيراً.
الإجابة: الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فمذهبُ أكثرِ أهلِ السُّنَّة: هو التَّرَضِّي عن الصحابة عموماً سواء من آل البيتِ أو غيرهم لا التسليمُ عليهم؛ وتخصيص آل البيت بالسلام بدلاً عن التَّرَضِّي شعارٌ لأهلِ البِدَعِ مِنَ الرافضة وغيرهم، قال الإمام مالك: "لم يكن ذلك من عمل من مضى"، وهو قول أبى حنيفة وسفيان بن عيينة وسفيان الثورى، وبه قال طاووس.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تنبغي الصلاة إلا على النبي صلى الله عليه وسلم"، ونُقل مثله عن عمر بن عبد العزيز رواه ابن أبى شيبة.


قال الإمام النووى في "الأذكار": ".. وأما غير الأنبياء فالجمهور أنه لا يصلي عليهم ابتداءً؛ فلا يقال: أبو بكر صلى الله عليه وسلم، واختلف في هذا المنع، فقال بعض أصحابنا الشافعية: "هو حرام"، وقال أكثرهم: "مكروه كراهة تنزيه" أي: لا عقوبة فيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأَولى وليس مكروهاً".


والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود؛ قال أصحابنا: "والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا "عَزَّ وجل" مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فكما لا يقال: محمد عز وجل - وإن كان عزيزاً جليلا - لا يقال: أبو بكر أو عليٌّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه صحيحا".


وقال ابن القيم في "جلاء الأفهام": "المختار أن يُصلى على الأنبياء، والملائكة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذريته، وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد؛ بحيث يصير شعاراً له، ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه، كما يفعله الرافضة بعلي رضي الله عنه فلو اتفق وقوع ذلك في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعاراً، لم يكن به بأس".اهـ.


وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الأحزاب: "وهذا - وإن كان معناه صحيحاً - لكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم؛ فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين".


والحاصل أنه يكره استعمال عبارة "عليه السلام" في حق غير الأنبياء عموماً، فالسلف الصالح لم يستعملوا ذلك إلا في حق الأنبياء، وتخصيص الحسين أو علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بذلك من شعار أهل الرفض، ولا يجوز الاقتداء بهم فيه؛ فالحسين وسائر الصحابة في هذا الباب سواء.


أما يوم عاشوراء؛ فالذي يعنينا منه نحن المسلمين هو صومه كسائر المندوبات؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فرأى اليهود يصومون عاشوراء فقال لهم: ما هذا الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، نجَّا الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه وأمر بصيامه"، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه "يُكَفِّر السنة الماضية" كما رواه مسلم في صحيحه.


وجرى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين حتى كان يوم عاشوراء في السنة الحادية والستين من الهجرة، وهو اليوم الذي استشهد فيه الحسين بن عليّ رضي الله عنهما في كربلاء، فهو في إيران والعراق وغيرهما يوم يظهرون فيه الحزن بالبكاء واللطم ونحو هذا.


أما عن الاحتفال بعاشوراء، بتوزيع الهدايا من الهريسة والحلوى، والتوسعة على الأولاد، والعاشوراء التي تطبخ من القمح والسكر والحليب في مصر وغيرها، فهو مأخوذ من الناصبة أعداء أهل البيت ابتهاجا بمقتل الحسين وليس من الشيعة وقد وضعوا في ذلك أحاديث منها: ((من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها)) وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.

وعلى الرغم من مرور أربعة عشر قرناً على هذا الحادث فإن آثاره ما زالت باقية تظهر في الاحتفال بذكراه.

قال ابن رجب عن يوم عاشوراء في كتاب "اللطائف": "وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل حسين بن علي رضي الله عنهما فيه، فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف ممن هو دونهم".


فالواجب على المسلم: أن ينأى بنفسه عن البدع التي لم يرد بها شرع، ولا عرفت عن السلف الصالح، وأن يعتصم بالكتاب والسنة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا ‏روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ولا التابعين، ‏لا صحيحاً ولا ضعيفاً، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يُعرف شيء من هذه ‏الأحاديث على عهد القرون الفاضلة".


ودين الإسلام مبني على أصلين، وهما: ألا نعبد إلا الله، ‏وأن نعبده بما شرع لا بما يبتدع من البدع، قال تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110]، فالعمل الصالح ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع المسنون؛ ولهذا كان ‏عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك ‏خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".


ولهذا؛ كانت أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث، وهي: - قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". - وقوله: "من عمل عملاً ‏ليس عليه أمرنا، فهو رد". - وقوله: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمهن ‏كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي ‏يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه؛ ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في ‏الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".


أما زعمهم أن السماء تبكي لمقتل الحسين في هذا اليوم الذي مات فيه، فمن الدعاوى الباطلة المتهافتة؛ فإنه قد مات من هو أفضل من الحسين باتفاق الموافق والمخالف كالأنبياء ومنهم إمامهم وسيدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ولم نر السماء تبكي كل عام لموته! فلو قيل إن هذا البكاء لأجل أن الحسين قتل شهيداً، فالجواب: إن أباه علي بن أبي طالب وهو أعظم منه أيضا قد قتل شهيداً ولا تبكيه السماء!

وأما ما رواه الطبري في تفسيره عند قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]، عن السديّ قال: "لما قتل الحسين بن عليّ رضوان الله عليهما بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرتها": فهذا ليس مُخْتَصًّا بالحسين رضي الله عنه، بل قد روى الطبري أيضاً عن مجاهد، قال: "كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا".

وروى عن سعيد بن جُبير، قال: أتى ابن عباس رجل، فقال: "يا أبا عباس أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}، فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟! قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه; وإذا فقده مُصَلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض".

فهذه الآثار تدل على حصول ذلك لكل عبد صالح مصلٍ، وكل ذاكر لله تعالى مطيع لأمره مجانب لنهيه، والحسين رضي الله عنه منهم، والله أعلم.