فصل قول الملاحدة: "إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب كمالاً فقد استكمل بغيره"

السؤال: فصل قول الملاحدة: "إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب كمالاً فقد استكمل بغيره"
الإجابة: فصــل

وأما قول ملاحدة المتفلسفة وغيرهم:‏ أن اتصافه بهذه الصفات:‏ إن أوجب له كمالاً فقد استكمل بغيره، فيكون ناقصاً بذاته، وإن أوجب له نقصاً لم يجز اتصافه بها، فيقال:‏ قد تقدم أن الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه.‏

وحينئذ، فقول القائل:‏ يكون ناقصاً بذاته، إن أراد به أن يكون بدون هذه الصفات ناقصاً فهذا حق، لكن من هذا فررنا، وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال وإلا كان ناقصاً.‏

وإن أراد به أنه إنما صار كاملاً بالصفات التي اتصف بها، فلا يكون كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات.‏

فيقال:‏ أولاً:‏ هذا إنما يتوجه أنه لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات، أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات، فإذا كان أحد هذين ممتنعاً امتنع كماله بدون هذه الصفات، فكيف إذا كان كلاهما ممتنعاً؟ فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع، فإنا نعلم بالضرورة أن ‏[‏الذات‏]‏ التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة، ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة.‏

وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة، فضلاً عن أن تكون أكمل منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات، فإن قيل بعد ذلك:‏ لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات، قيل:‏ الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصاً، وإنما النقص عدم ما يمكن.‏

وأيضاً، فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، وامتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديراً ممتنعاً.‏

وإذا قدر للذات تقدير ممتنع، وقيل:‏ إنها ناقصة بدونه، كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير، لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل:‏ إذا مات كان ناقصاً، فهذا يقتضي وجوب كونه حياً، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة، كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات.‏

وأيضاً، فقول القائل:‏ اكتمل بغيره ممنوع، فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره، ولا أنها ليست غيره، على ما عليه أئمة السلف؛ كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، وهو اختيار حُذَّاق المثبتة، كابن كُلاَّب وغيره.‏

ومنهم من يقول:‏ أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو، ولا أطلق عليها أنها ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين قأقول:‏ لا هي هو ولا هي غيره، وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعري، وأظن أن قول أبي الحسن التميمى هو هذا، أو ما يشبه هذا.‏

ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب في إطلاقهما جميعاً، كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى.‏

ومنشأ هذا أن لفظ ‏[‏الغير‏]‏ يراد به المغاير للشيء، ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعانٍ فاسدة.‏

ونحن نجيب بجواب علمي فنقول:‏ قول القائل:‏ يتكمل بغيره.‏

أيريد به بشيء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته؟ أما الأول فممتنع.

‏‏ وأما الثاني فهو حق، ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها، كما لا يمكن وجودها بدونه، وهذا كمال بنفسه لا بشيء مباين لنفسه.‏

وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبـل وغيره وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كُلاَّب وغيره على أن القائل إذا قال:‏ الحمد لله، أو قال:‏ دعوت الله وعبدته، أو قال:‏ بالله، فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته، وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى.‏

وإذا قيل:‏ هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل:‏ إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات، فالصفات زائدة عليها، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج، فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة.

‏‏ والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات، وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات. ‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - المجلد السادس.