حكم العقود المتعارف عليها بين العاملين في البحر

السؤال: يأخذ مالك السفينة قبطاناً ويقول له خذ هذه السفينة الجاهزة للعمل فيها ماكنة وشباك وكل المعدات، وكل ما تحتاج إليه من الزاد وغيره، وكل ما صدته من سمك فسأشتريه منك وأنزع منه التكاليف، والباقي بيني وبينك نصف لي ونصف لك أنت وعمالك فما حكم هذا؟
الإجابة: إن هذا العقد إذا كان قد جرى به العمل وأصبح سائداً فهو من العقود التي تُقر، وقد ذكر مالك في المدونة أن قول الإنسان للعامل: "اعمل على راحلتي، وما حصل فلك نصفه" هذا في الأصل عقد فاسد لأنه جعالة مجهولة، ولكنه إن وقع وانتشر يصحح إلى إجارة.

وذكرت أنا أن هذا العقد يمكن أن يكيف تكييفاً آخر على أنه شركة، فيكون صاحب السفينة هو الممول لهذا العقد هو الذي دفع المال والعامل هو الذي دفع العمل فاشتركا هذا بعمله وهذا بماله، وما حصل فهو بينهما بعد نزع التكاليف منه، فهذا عقد شركة وهو من أنواع الشركة الجائزة، والشركة في الأصل عقد جائز وهي أنواع منها شركة المضاربة: وهي بين مال وعمل، ومنها شركة المفاوضة: وهي بين مالين، ومنها شركة العمل المتلازم بين الطرفين، وأيضاً شركة الذمم -على القول بصحتها- وهي أن يكون شخصان ليس لهما مال ولكنهما يأتيان تاجراً فيأخذان منه بضاعة بضمانهما معاً، فلو جاء أحدهما لم يعطه إياها، يأخذانها بضمانهما معاً فيبيعانها، فلهما الربح ويردان أصل المال إلى صاحبه.

بالنسبة لهذه السفينة إذا لم تأتِ بشيء لم يصطادوا شيئاً وكثر ذلك فأصبح هذا غرراً فيكون العقد حينئذ على التكييف الأول غير جائز، أما على التكييف الثاني فهو من الأمور الجائزة هو مثل: "ركلة آباتيك" قد لا يربح "البوتيك" فيكون العامل قد خسر عمله وصاحب المال قد خسر بعض ماله أو خسر الربح، وحينئذ لا حرج لأنها شركة كما ذكرنا، إذا كيفناها على الشركة فلا حرج، أما إذا كيفناها على الإجارة فإذا كثر الغرر وقل أن تأتي بشيء فلا يجوز ذلك.

هذا سؤال ثانٍ في هذه القضية: هو أن يأخذ صاحب السفينة قبطاناً، ويقول له خذ هذه السفينة الجاهزة للعمل وكل ما أتيت به من الأخطبوط سأشتريه منك بسعر متفق عليه -للكيلو مثلاً ستمائة أوقية- وننزع منه التكاليف والباقي بيني وبينك على الأنصاف، وعمالك كل واحد منهم سأشتري من عنده بثمانمائة علماً بأن العمال ليس لهم إلا عملهم؟

إن هذا العقد كسابقه تماماً، فإذا كيفناه على أنه شركة فهذا الرجل صاحب السفنية يشترك مع هؤلاء العمال، وهؤلاء العمال الشركة معهم متفاوتة، فالقبطان الذي يقود السفينة له جزء محدد من هذه الشركة والعمال المباشرون لهم جزء أكثر من ذلك، وصاحب السفينة مشارك بماله، فما نتج فهو بينهم على ما اتفقوا عليه فيكون هذا عقد شركة.

والأصل في عقود المسلمين الحمل على الصحة، فلذلك إذا كان العقد جارياً وجرى به العمل بين الناس فيصحح على أنه شركة، وحينئذ سيكون مالك السفينة مشتركاً بالمال والعمال مشتركون بالعمل، وتحديد شبك مثلاً لعامل معين لا يضر لأنه رضي من الشركة بأن يكون نصيبه ما أتى به في هذه الشبكة.

وما سوى ذلك ليس له فيه دعوى، مثل ما لو اشتركوا في مالٍ فذهب أحدهم بتجارة في جزء منه والآخر بتجارة في جزء منه، فهذا له ربح الجزء الذي يتجر به، وهذا له ربح الجزء الذي يتجر به، فربح هذا ولم يربح الآخر مثلا وهكذا.

بالنسبة للصيغة الأولى: الصيغة التي يكون مالك السفينة هو المجهز لكل شيء كل التكاليف عليه، والعمال الذين فيها قسمين القبطان شريكه هو فيما تأتي به السفينة بعد انتزاع التكاليف منه، والعمال الآخرين الذين يعملون ليسوا شركاء لكن لكل منهم شبكه الخاص به، ولكن لا بد من بيعه له هو في مقابل ذلك التمويل الذي أعطاهم، هذه الصورة مع القبطان ليس فيها حرج ذكرنا أنها تكيف على أنها شراكة، ولكن مع العمال فيها حرج لأن ذلك الشرط المشروط عليهم في مقابل النفقة المعطاة لهم غير صالح، ينبغي أن لا يكون فيه جهالة، ينبغي أن ينزع أيضا تكاليفهم مما أتوا به، والباقي هم أحرار فيه إن شاءوا باعوه له وإن شاءوا لم يبيعوه له، ولكن ينبغي أن ينزع التكاليف مما أتوا به يأخذه هو، والباقي بينهم، إذا كانت الشبكة لصاحب السفينة وهو قد أجرها لهم، فلا بد أن تكون الإجارة محددة لا يمكن أن تكون مجهولة، نعم... لكن ذلك العمل غير كافٍ، العمل الذي سيقومون به في السحب لا يكفي.

كذلك الصورة الثانية: التي يكون فيها العمال قائمين بالتكاليف تكاليفهم من عند أنفسهم والذي أتت به السفينة لصاحبها، وكل واحد منهم سيأتي بشبكه وحده وهو حر فيه، هذه الصورة أقرب إلى الفقه وأصلح من الصورة الأولى، الصورة الثانية أقرب إلى الفقه وأصلح من الصورة الأولى، لكن واجب على القبطان والعمال الذين معه أن ينصحوا، ويحرم عليهم تحريك السفينة إلا في مصلحة صاحبها، وما حصل من الخيانة في هذا فهو معصية ويلزم الإقلاع عنه والتوبة منه، لكن هذا العقد أقرب للصواب وأوضح من الناحية الفقهية من العقد الأول، ذكرت أن الاشتراط على العمال أن يبيعوا بثمن معين مع كونهم يعملون وهو ينفق عليهم ذلك غير جائز ذاك شرط غير جائز، لكن بالنسبة للقبطان عقده معه صحيح لأنه شريك معه فيما جاءت به السفينة بعد إخراج الكلفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.