عدالة الشهود وجَرحهم

السؤال: هل الأصل في الشهود العدالة حتى يأتي من يجرحهم أم العكس، وهل طلب تزكيتهم حق للخصم أم يطلبها القاضي، ولو لم يطلبها الخصم، وأيهما المقدم: بينة الجرح أم بينة التعديل؟
الإجابة: لابد في البينة من العدالة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (1)، وقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} (2) الآية. ومنه يتضح أن شهادة الفاسق لا تقبل على مثله، ولا غيره، وأن العدالة في الدين معتبرة كما تقدم، وليس المراد به عدالة الصدق فقط، بل لابد من اجتماع شروط العدالة فيهما؛ لأن الفاسق مظنة الكذب؛ إذ من اجترأ على الله سبحانه وتعالى، واستهان بأمره حري بأن يستهين بغيره من باب أولى وأحرى. وأيضاً فلابد في البينة من العدالة ظاهراً وباطناً، كما هو المقدم في مذهب أحمد، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لقول الله سبحانه: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (3)، ولا نعلم أنه مرضي حتى نعرفه، أو نخبر عنه، كما رُوي أن عمر رضي الله عنه أُتي بشاهدين. فقال لهما: لست أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيا برجل، فقال: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي يتبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا، قال: عاملتهما بالدنانير والدراهم التي تقطع فيهما الرحم؟ قال: لا. قال: كنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال: يا ابن أخي، لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما (4).

وقال الشيخ تقي الدين: وأما قول من يقول: الأصل في الإنسان العدالة فقد أخطأ، وإنما الأصل فيه الجهل والظلم؛ قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (5). وقال ابن القيم رحمه الله في (البدائع): إذا شك في الشاهد هل هو عدل أم لا لم يحكم بشهادته؛ إذ الغالب في الناس عدم العدالة.أ.هـ. وصرح أصحابنا وغيرهم: أن القاضي إذا عرف عدالة الشهود قال للمشهود عليه: قد شهدوا عليك، فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهما فثبته عندي، فإن لم يقدح فيهما حكم عليه. وأيضاً فالتزكية حق للشرع يطلبها الحاكم، وإن سكت عنها الخصم، كما هو الصحيح من مذهب أحمد.

وأيضاً فالجرح مقدم على التعديل، فلو عدله اثنان، وجرحه اثنان، فالجرح مقدم، فتكون تلك الشهادة ساقطة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. والله أعلم.

___________________________________________

1 - سورة الطلاق: الآية (2).
2 - سورة الحجرات: الآية (6).
3 - سورة البقرة: ا لآية (282).
4 - البيهقي: (10/125)، و(مسند) الفاروق (2/550)، والعقيلي في (الضعفاء) (3/454) وقال: عن شيبان لا يعرف إلا بهذا، وفيه نظر. ثم أورد له هذا الأثر. ولمزيد من التفصيل راجع (التلخيص) (4/ 197).
5 - سورة الأحزاب:الآية (72)، راجع (مجموع الفتاوى) (15/357).