صلاة التراويح والتطويل

السؤال: أنا إمام في مسجد، ومحتسب في قرية صغيرة، لا يوجد بها حافظ قرآن، بدأت أحفظ القرآن، وأقرأ على شيخ، فادع لي بالتوفيق. مشكلتي: أنني سمعت مع طلبة العلم: أنه يجب قراءة صفحة في كل ركعة من صلاة التراويح، وهذا لا يمكنني؛ لأن جماعة المسجد يتذمرون ويتضجرون علانية من ذلك، وأشار عليَّ بعض الإخوة بترك المسجد، ما رأيكم؟ هل أترك المسجد بدون إمام، وهم في حاجتي؛ لأن البقية يتهربون من الإمامة؟ أم أقرأ بنصف الصفحة، مراعيًا لهم؟
الإجابة: الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فالواجب على الإمام في صلاة التراويح، أن يراعيَ حال المأمومين، ولا يشقَّ عليهم، وأن يرفق بهم، فإذا كانت الإطالة تشق عليهم، تركها مراعاة لترغيبهم في الصلاة؛ فلأن يصليَ الناس صلاة خفيفة تامَّة، يخشعون ويطمئنون فيها، خير لهم من صلاة طويلة بغير الخشوع، بل يحصل فيها الملل، وقد تكون سببًا لتركَ جماعة التراويح، وذلك؛ لعموم الأدلة الآمرة بمراعاة المأمومين في الصلاة، والرفق بهم ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشق عليهم، وإيثار تخفيف الصلاة ومنها: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء".

ومنها: ما رواه أنس قال: "ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم".

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه" (متفق عليهم).

ومنها: ما رواه أحمد وأبو داود عن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا".

ومنها: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل يا رسول، الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: "يا أيها الناس، إن منكم منفرين؛ فمن أم الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة".

قال في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (3 / 150): "أن يقرأ في كل ركعة عشر آيات، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وقيل: يقرأ فيها كما يقرأ في أخف المكتوبات وهي المغرب، وقيل: يقرأ كما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء، وقيل: يقرأ في كل ركعة من عشرين إلى ثلاثين؛ لأنه رُوي: أن عمر رضي الله عنه دعا بثلاثة من الأئمة فاستقرأهم، وأمر أولهم أن يقرأ في كل ركعة بثلاثين آية، وأمر الثانيَ أن يقرأ في كل ركعة خمسة وعشرين آية، وأمر الثالث أن يقرأ في كل ركعة عشرين آية، وما قاله أبو حنيفة سنة؛ إذ السنة أن يُختم القرآن مرة في التراويح، وذلك فيما قاله أبو حنيفة، وما أمر به عمر، فهو من باب الفضيلة، وهو أن يختم القرآن مرتين أو ثلاثًا، وهذا في زمانهم.

وأما في زماننا، فالأفضل: أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة؛ لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة". انتهى.

وقال الشيخ العثيمين: "ويجب على الأئمة الذين يصلون بالناس صلاة التراويح، يجب عليهم أن يتقوا الله فيمن جعلهم الله هم أئمة لهم، فيصلوا التراويح بطمأنينة وتأنٍّ؛ حتى يتمكن من خلفهم من فعل الواجبات والمستحبات بقدر الإمكان، أما ما يفعل كثير من الناس اليوم في صلاة التراويح، تجد الواحدَ منهم يسرع فيها إسراعاً مخلاًّ بالطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها؛ فإن هذا محرم عليهم؛ أولاً: لأنهم يتركون الطمأنينة، وثانياً: لأنهم ولو قدر أنهم لا يتركون الطمأنينة، فإنهم يكونون سبباً لإتعاب من وراءهم، وعدم قيامهم بالواجب، ولهذا؛ الإنسان الذي يصلي بالناس، ليس كالإنسان الذي يصلي لنفسه، فيجب عليه مراعاة الناس بحيث يؤدي الأمانة فيهم، ويقوم بالصلاة على الوجه المطلوب، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يسن، فكيف إذا أسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب؟!". اهـ. من مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين.

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله:
هل ينبغي للإمام مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح؟

فأجاب: "هذا أمر مطلوب في جميع الصلوات، في التراويح وفي الفرائض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والصغير وذا الحاجة" (رواه البخاري ومسلم)؛ فالإمام يراعي المأمومين ويرفق بهم في قيام رمضان، وفي العشر الأخيرة، وليس الناس سواء، فالناس يختلفون؛ فينبغي له أن يراعي أحوالهم، ويشجعهم على المجيء، وعلى الحضور؛ فإنه متى أطال عليهم، شق عليهم، ونفرهم من الحضور؛ فينبغي له أن يراعيَ ما يشجعهم على الحضور، ويرغبهم في الصلاة، ولو بالاختصار وعدم التطويل، فصلاة يخشع فيها الناس ويطمئنون فيها -ولو قليلًا- خير من صلاة يحصل فيها عدم الخشوع، ويحصل فيها الملل والكسل". اهـ. من مجموع فتاوى ابن باز.

وعليه؛ فالذي ننصحك به أن تراعيَ الناس في قراءتك، فلا تطيل عليهم، ويمكنك أن تكتفي بقراءة نصف وجه في الركعة، إن كانوا يتذمرون إذا قرأت أكثر.

أما قولك بترك المسجد، فهو خارج تمامًا عن الصواب؛ لأن الواجب عليك هو تشجيع الناس، وجمعهم للصلاة وتكثير الجماعة،، والله أعلم.