زيارة النساء للقبور، والخطوط السبعة عند رأس الميت

السؤال: ما هي كيفية زيارة القبور؟ وهل الخطوط السبعة عند رأس الميت من السنة؟ وهل من السنة الوقوف عند رأس كل ميت؟ وما هي كيفية الدعاء للأموات؟ وما حكم زيارة المرأة؟
الإجابة: إن زيارة القبور مشروعة مندوبة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عنه أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة"، وفي رواية: "ألا فزوروها ولا تقولوا هجراً"، والهجر الكلام القبيح.

وزيارة القبور إنما يُقصد بها تذكر الآخرة: أن يتذكر الإنسان أن الذين يقف على قبورهم إما أن تكون قبورهم رياضاً من رياض الجنة أو أن تكون حفراً من حفر النار، وبذلك يتعظ هو ويتذكر الآخرة ويختار لنفسه النجاة من النار.

وقصد الموعظة بها يحصل بزيارة من عرفته ومن لم تعرفه، ومن كان صالحاً ومن لم يكن صالحاً، فحصول الموعظة يستوي فيه زيارة قبر الصالح وقبر من سواه، لكن الموعظة تزداد بزيارتك لقبر من تعرف وبالأخص إن كان من الذين كانوا يحافظون على أمورهم في هذه الحياة الدنيا، فكانوا لا يتحملون الحر ولا حصى التراب، وقد أصبحوا الآن في هذه الحفر الموحشة المظلمة، وأكلهم الدود في الظلام وأصبحت أموالهم وأملاكهم في يد من سواهم، وأصبح الذين كانوا يظنون أنهم هم المدبرون لشؤونهم يتصرفون في أمورهم دون حاجة إلى الرجوع إلى أولئك، بل لا يشاور أحد منهم في شيء أصلاً، وانقطعت أخبارهم عن من سواهم، فمن وقف على قبر أحد منهم لن يعرف هل هو في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

ثانياً أن يتذكر الإنسان حال أهل الميت بعده وما حصل عليهم من التغيرات وأنهم لم ينقص شيء من أرزاقهم ولم يتغير شيء من شأن حياتهم أسفوا عليه عند ما فارقهم ثم نسوه وأهملوه وتركوه وأسلموه للدود والظلام.

ثم الموعظة الثالثة: أن يتذكر الإنسان أن مصيره هو أن يكون مثل هذا الميت، فقد كان هذا الميت مغتبطاً في أهله، محبوباً بينهم، يتصرف في شؤونهم، وأنت مثله ستسير على طريقه.

فهذه المواعظ الثلاثة هي التي يستفيدها الحي من زيارة الميت.

والميت إنما يستفيد الدعاء إن كان مسلماً، ولا يحل الدعاء إلا لمن عرف الإنسان أنه من المسلمين، فقبور المسلمين إذا مر الإنسان عليها يدعوا لهم عموماً، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم صورة ذلك في حديث عائشة وغيره فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أمن الله روعتكم، وآنس وحشتكم، وجعل الجنة موعداً بيننا وبينكم، يرحم الله المتقدمين منا والمستأخرين، اللهم رب هذه الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أنزل عليها روحاً منك وسلاماً منا"، ولو قال: "السلام عليكم أهل الديار من المؤنين والمؤمنات، نسأل الله لنا ولكم العافية، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع" فكل ذلك وارد في السنة.


و طريقة الزيارة: أن يقف الإنسان عند رؤوسهم بحيث ينظر إلى القبور ولا يتخطف بين الأجداث، ولا يقف على كل قبر على حدة إلا إذا كان في القبور والداه أو أحدهما فلا حرج في الوقوف عنده، وكذلك من يعرفه من الناس يقف عند قبره لزيادة الموعظة به وليتذكر حاله هو أيضاً أنه سيكون هكذا، فهذا الذي يشرع في زيارة القبور.


أما زيارة النساء: فقد اختلف فيها: فقد حُرِّمت أولاً ولُعن زوارات القبور، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللواتي تبعن الجنازة: "ارجعن مأزورات غير مأجورات"، ومع ذلك فقد جاء بعد هذا بعض الأحاديث التي تدل على النسخ منها أنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي عند قبر فقال لها: "يا أمة الله اتقي الله واصبري"، ولم ينهها عن الزيارة فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فقيل لها: ويلك إنه رسول الله، فرجعت إليه فأتت بيته فخرج إليها وأزرار قميصه محلولة، فلم تجد عنده حارساً ولا بواباً فقالت يا رسول الله: ما عرفتك، وأنا تائبة: فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم عائشة ما تقول عند زيارة القبور مما يدل على جواز زيارتها لها، وكذلك ثبت في الصحيحين أن عائشة حين افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلتها أرسلت بريرة قالت: أرسلت جاريتي بريرة فتبعته فوجدته عند المقبرة وهو يدعو لهم، فلما عاد سألته فقال: "إني بعثت إلى أهل بقيع الغرقد لأصلي عليهم"، والمقصود بالصلاة عليهم الدعاء لهم، وذهاب بريرة إليه صلى الله عليه وسلم عند المقبرة وسكوته عن ذلك وعدم إنكاره له دليل على جواز زيارة النساء للقبور.

وعموماً: المسألة محل خلاف، والذي يبدو لي أن الراجح فيها نسخ التحريم.

لكن مع ذلك لا يحل للنساء الدخول بين الأجداث والتخطف الذي يؤدي إلى الاختلاط بالرجال، والتعرض للفتنة ونحو ذلك، بل تقف المرأة أمام القبور وتدعو للمسلمين، وتتعظ بحالهم، وهذه زيارتها.


أما الخطوط المذكورة: فهي من عمل الشيطان، ولا يُحِسُّ بها الميت، ولا يستشعرها، بل القبر الواحد قد يكون فيه من هو في غاية النعيم، ومن هو في غاية العذاب، فلا يستشعر هذا الذي هو في غاية النعيم شيئاً من عذاب هذا الذي هو في غاية العذاب، ولا هذا الذي هو في غاية العذاب شيئاً من نعيم الذي هو في غاية النعيم.

وقد ضرب لهم أهل العلم مثلاً بالرجلين ينامان في فراش واحد، ويلبسان لحافاً واحداً فيكون أحدهما في نومه يرى رؤيا في غاية السرور، والآخر يرى رؤيا في غاية الحزن، ولا هذا يحس بشيء من لذة هذا ولا هذا يحس بشيء من حزن هذا، فكذلك أصحاب القبور فلذلك الخطوط التي تُفعل هي من عمل الشيطان، ولا يحل للإنسان أن يشتغل بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ على شبكة الإنترنت.