كنت أحبها فخطبها خاطب

السؤال: أنا شاب أعمل في مكان ما، ولكن لي ظروف خاصة حيث أني لا زلت أدرس، فأنا متأخر في دراستي بسبب أنني لم أكن أريد دخول هذه الكلية حيث أني أدرس في كلية من كليات القمة، فأنا حاليا أعمل في عمل وأتقاضى راتباً لا بأس به، وفى نفس الوقت يتبقى لي سنة في الدراسة، وبجانب دراستي الأكاديمية فأنا أدرس في معهد القراءات ولي دراسة أخرى في مجال التنمية البشرية. لي زميلة في العمل تطورت بيننا علاقة، وكنت أنوي أن أتقدم لخطبتها، ولكني خشيت أن يتم رفضي وبالتالي أسبب لها حرجاً في العمل، وقد استخرت الله كثيراً وقلت بعد امتحاني سوف أحسم الأمر إن شاء الله، وكنت في إجازة لأداء الامتحان الخاص بي، ثم فوجئت بأنه قد تقدم لها شاب من بلدتهم وأهلها وافقوا عليه، ولم أستطع أن أفعل شيئا، فقد كنت في حينها غير قادر على اتخاذ أي قرار لظروف امتحاني، وأيضاً ليس لي أحد يقف بجانبي أو يساعدني في تكاليف زواجي غير الله أستند عليه؛ فأبي متوفى، وأخي الكبير متزوج وله طفلان، ولن أطلب منه مساعدتي في شيء، وحزنت حزناً شديداً لما عرفت هذا الأمر، ودعوت الله كثيرا أن يفرج عني، ولكني علمت أنها غير موافقة على هذا الخاطب، وأنها أجبرت من قبل أهلها على ذلك، أشعر بالندم الشديد لأنني لم أتقدم لخطبتها. أنا الآن أريد أن أتقدم لخطبتها؛ ولكن بالطبع أهلها قد وافقوا على العريس الآخر وقرؤوا الفاتحة معه، ولكني أريدها وبشدة وهي غير راضية وغير موافقة على الشخص الآخر، فماذا أفعل؟ أريد أن أتقدم؛ ولكني لا أريد أن أجور على حق من سبقني إلى أهلها وفي نفس الوقت هي تريدني وأنا كذلك، فما العمل؟ أنا لا أريد أن أبدأ حياتي بمعصية لله فأنا أحاول جاهداً أن أضعه تجاهي ولو لم أضع الله أمامي كنت أقدمت على هذه الخطوة بدون أن أسأل أحد، ولكني لا أريد أن أرتكب معصية، فهل لو تقدمت لخطبتها أكون قد تعديت على الرجل الآخر؟ وأكون دخلت في قول النبي: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"؟ في حين أنها قد أجبرت عليه وهي تريدني وأنا كذلك! ماذا أفعل؟
الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فيا أخي أسأل الله تعالى أن يربط على قلبك، وأن يفرج همك وينفس كربك ويبدلك خيراً مما ذهب، وأن يجعل عاقبة أمرك رشدا، واعلم علَّمني الله وإياك أنه لا يجوز لك التقدم لخطبة تلك الفتاة ما دامت الموافقة قد صدرت من أهلها للخاطب الأول وحصل الركون؛ وأنت بارك الله فيك على علم بالحكم من خلال الحديث الذي أوردته في سؤالك؛ لكنني أذكرك بأمور:
أولها: عليك أن تسلِّم لله تعالى في قضائه، وتكثر من الدعاء النبوي "اللهم إني أسألك نفساً بك مطمئنة، ترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وتؤمن بلقائك" وكن على يقين بأن الأمور مقدرة عند الله مكتوبة قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وقد قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْ‌ضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَ‌أَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ‌ . لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَ‌حُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ‌} ﴿الحديد: ٢٢، 23﴾.
ثانيها: أنت لا تعلم أين يكون الخير؛ فلربما قد صرف الله عنك سوء وأنت لا تدري!! وربما قد ادخر لك من الخير أضعاف ما ذهب عنك {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌ لَّكُمْ} ﴿النور: ١١﴾، وقد يظن الإنسان الشر فيما عاقبته خير، وقد يسعى وراء أمر الله يعلم أن فيه حتفه وهلاكه {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ﴿النور: ١٩﴾.
ثالثها: لا يغرنك ما يظهر من حال تلك الفتاة أنها غير راغبة في ذلك الخاطب؛ فإنها هي كذلك لا تدري أين يكون الخير؛ وأهلها أدرى بحالها وهم أقدر على تحقيق مصلحتها وما يعود عليها بالنفع؛ فلا تك سبباً في حصول شقاق بين البنت وأهلها، وسل الله لها أن يقدر لها الخير حيث كان ويرضيها به.
رابعها: استعن بالله ولا تعجز، وأقبل على ما أنت فيه من طلب العلم النافع، ومع تقديري لمشاعرك فما ينبغي لك أن تعتقد أن هذه الحالة التي أنت فيها ستدوم، بل بعد حين إن شاء الله تنسى ما كان، وما بين طرفة عين وانتباهتها يغيِّر الله من حال إلى حال، وخذ هذه الحكمة التي قالها بعضهم: كن عن همومك معرضا *** وكل الأمور إلى القضا وانعم بطول سلامة *** تهليك عما قد مضى فلربما اتسع المضيق *** وربما ضاق الفضا ولرب أمر مسخط *** لك في عواقبه رضا الله يفعل ما يشاء *** فلا تكن متعرضا
أسأل الله لك فواتح الخير وخواتمه وظاهره وباطنه، والله الموفق والمستعان.