هل في المال حق سوى الزكاة؟

السؤال: هل في المال حق سوى الزكاة؟
الإجابة: نعم، فإن الله سبحانه وتعالى هو مالك هذا المال، ولم يعطنا منه إلا التصرف فيه كتصرف الوكيل ينتظر العزل في كل حين، فإنما نحن وكلاء ننتظر العزل في كل لحظة، وهذا العزل إما بالموت، وهذا العزل الأكبر أن يحمل الإنسان على الرقاب إلى القبر فهذا أكبر عزل لا يمكن أن يرجع بعده إلى سلطان، أو بالمرض أو بالشغل أو بالافتقار، فكل ذلك من أنواع العزل التي يعزل بها الله عباده عما ولاهم عليه من أمور هذه الدنيا.

وقد جعل الله في المال حقوقاً متنوعة: فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن في المال حقاً سوى الزكاة، فسُئل عن ذلك فذكر لأصحاب الحيوان لأنهم الذين سألوه ما عليهم من الحقوق في المال بأن يتصدقوا من لبنه ومن ظهوره ومن أصوافه وأوباره وغير ذلك، وهذا مثال لا يقتضي الحصر بل كل مال فيه هذه الحقوق والإنسان محتاج إلى إخراجها لأنها قيد النعمة، فالنعمة منطلقة وقيدها شكرها، وإنما يشكرها الإنسان لله سبحانه وتعالى بمعرفة الحق الذي عليه في هذا المال وأن يقدمه ابتغاء مرضاة الله.

ومن المعلوم أن التعامل مع المال تشمله خمس قواعد هي أصول التعامل معه: وقد بينها الله في قصة قارون. فإن أصحابه عند ما خرج عليهم في زينته قالوا له: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}، وهذه القاعدة الأولى.
ثم قالوا: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} وهذه القاعدة الثانية.
ثم قالوا: {ولا تنسَ نصيبك من الدنيا} وهذه الثالثة.
ثم قالوا: {وأحسن كما أحسن الله إليك} وهذه الرابعة.
ثم قالوا: {ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} وهذه القاعدة الخامسة.

فهذه القواعد لابد لمن ابتلي بشيء من هذا المال أن يضعها نصب عينيه، وأن ينظر إليها فيحاسب نفسه على ضوئها، فلا بد أن لا يفرح الإنسان بما أوتي منه لأنه قد يكون ترة عليه بين يدي الله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رأيت الجنة فإذا عامة من دخلها الفقراء، وأصحاب الجد محبوسون غير أنه قد أمر ببعث النار إلى النار"، و"أصحاب الجد" هم أصحاب الغنى، "محبوسون" أي على أبواب الجنة حتى يحاسبوا على ما جعل تحت أيديهم، "غير أنه قد بعث ببعث النار إلى النار" فهم ليسوا من أهل النار، هم من أهل الجنة ولكن مع ذلك حبسوا على بابها، ومن المعلوم أن من يعرف الجنة كل لحظة يتأخرها عنها هي رزية عظيمة جداً، فلذلك لا بد أن يحرص الإنسان على أداء هذا الحق.

ومن الحقوق التي في المال سوى الزكاة: صلة الأرحام، فإن الله سبحانه وتعالى لما خلق الرحم أمسكت بقائم العرش فقالت: "يا رب هذا مقام العائذ بك من القطيعة" فقال: "أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟" فلا بد من الحفاظ على صلة الأرحام، وأولى الأرحام بالوصل، والداك اللذان نجلاك فلهما من الحقوق ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أصبح الناس في زماننا هذا يفرطون في حقوق الوالدين كثيراً مع أن الله عطف حقهما على حقه سبحانه وتعالى في عدد من آيات كتابه فقد قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً}، وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً}، وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً}، فلا بد من الإحسان إلى الوالدين بكل ما يستطيعه الإنسان، ولا بد من إيثار رغبتهما على هوى الإنسان، فالإنسان إنما يكون برَّاً إذا آثر رغبة والديه على هواه هو.

كذلك من الحقوق التي في المال أن يعلم الإنسان أنه قد بايع الله عليه في الجهاد في سبيله، فالله تعالى قد عقد بيعة مؤكدة مع عباده المؤمنين في التوراة والإنجيل والقرءان على أنفسهم وأموالهم في نصرة دينه فقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}، فلا بد أن يحرص الإنسان على الوفاء لله بهذه البيعة، فإن الله غنيٌ عنا وعما في أيدينا، وإنما يحقق الإنسان ذلك إذا علم أن في ماله حقاً لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، والجهاد في سبيله، وإيواء المحتاجين من المسلمين، ونصرة المجاهدين، ومشاركتهم في ذلك، ومن هنا فما تقدمونه وتبذلونه للجهاد في سبيل الله في مشارق الأرض ومغاربها كما تقدمونه لإخوانكم في فلسطين مثلاً ليس مجرد دعم أو مساعدة، بل هو وفاء بالحق الذي في أعناقكم لله وقد بايعكم عليه بأن تنصروه بأموالكم وأنفسكم، فلذلك لا تظنوا أنه مجرد مساعدة للغير بل هو حق مترتب على أعناقكم ولا بد أن تفوا لله به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.