كلمة بمناسبة دخول شهر رمضان

السؤال: كلمة بمناسبة دخول شهر رمضان
الإجابة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين، أما بعد:

فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بأكمل الأديان وأقومها بمصالح العباد، وأنفعها لهم في المعاش والمعاد، كما قال سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْءَانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَْخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

ومن ثم ختم الله به الأديان، وجعله صالحاً لكل زمان ومكان، ومصلحاً لشؤون الناس الدينية والدنيوية، المجتمعية والفردية.

وكانت الأركان التي بني عليها الدين الإسلامي متنوعة التكليف، فمنها الأعمال البدنية المحضة، ومنها الأعمال المالية المحضة، ومنها الأعمال الجامعة بين البدنية والمالية، ومنها ما يكون المطلوب فيها فعلاً، ومنها ما يكون المطلوب فيها كفًّا عن محبوب. نوعت هذا التنويع ليشمل الدين جميع أنواع العمل والتكليف، فيتم فيه التعبد لله تعالى من كل وجه، وتهذيب النفوس وتعويدها على طاعة الله من كل ناحية.

وكان من دعائم الإسلام وأركانه صيام شهر رمضان، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" هذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: "وصيام رمضان والحج"، فقال رجل: الحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان، والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد دل على فرضية صوم شهر رمضان، كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىۤ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

ففي هذه الاۤيات الكريمات يخبر الله عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، وفي إخباره تعالى بفرضه على من كان قبلنا من الأمم دليل على أهمية الصيام وعظم منزلته عند الله، ودليل على فضل هذه الأمة بما شرعه لها من استكمال الفضائل الحاصلة لمن سبقها، فلله الحمد والمنة.

وفي قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} دليل على المقصود الأعظم بالصيام، وهو تقوى الله تعالى بالصوم، فإن ترك الإنسان ما تطلبه نفسه من ملاذ الطعام والشراب والنكاح رغبة في ثواب الله، وخوفاً من عقابه، لهو تقوى لله تعالى، خصوصاً أنه يترك ذلك في موضع لا يطلع عليه إلا الله تبارك وتعالى، لا يخشى بذلك سوى ربه، فهذا هو التقوى الحقيقية.

ثم إن ثمرة الصيام والحكمة منه أن يكون حافزاً للصائم على تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وقول الزور كل قول محرم، والعمل بالزور كل فعل محرم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم" (متفق عليه).

وللصوم فوائد كثيرة دينية، وجسمية، واجتماعية، وأخلاقية ونفسية، ولست بصدد الكلام على ذلك، فإن فوائد الأمور تعرف بميزانها وشدة العناية، وكون الصيام مفروضاً على جميع الأمم أكبر دليل على ما له من فضائل وفوائد.

وإنما خص الله الصوم بشهر رمضان في هذه الملة؛ لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن، الذي هو أعظم كتاب سماوي نزل لهداية البشر، وإصلاح دينهم ودنياهم، وسيرهم إلى ربهم، ومعاملتهم فيما بينهم، وهو الكتاب الذي لا يصلح الخلق إلا التمشي على خططه والتمسك به.

وصيام رمضان يجب بواحد من أمرين: إما رؤية هلال رمضان، وإما إكمال شعبان ثلاثين يوماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".

فإذا ثبت دخول الشهر، أو خروجه وأعلن من الجهات المسؤولة وجب العمل بذلك، ولو كان إعلانه بطريق الإذاعة من ولاة أمرك، إذ الإذاعة يحصل بها اليقين، أو غلبة الظن القريب من اليقين في مثل هذه الأمور الهامة.

والصوم مفروض على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، خال من الموانع.

فالكافر لا يؤمر بالصوم، ولا يصح منه الصوم حتى يسلم، لأن الكفر مانع من قبول الأعمال، قال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلاّۤ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ}.

والصغير لا يلزمه الصوم حتى يبلغ، ولكن يؤمر به متى أطاقه ليتمرن عليه ويعتاده، فيسهل عليه بعد البلوغ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم وهم خير هذه الأمة يصوِّمون أولادهم وهم صغار.

والمجنون لا يجب عليه الصوم، سواء كان جنونه دائماً، أو متقطعاً، فإذا صادفه رمضان وهو في حال الجنون فلا صيام عليه، ولو شفاه الله فيما بعد.

وكذلك من وصل إلى حد الهرم وكان لا يميز فليس عليه الصيام، لأنه لا عقل له، فهو كالصبي الذي دون التمييز، وليس عليه كفارة أيضاً بدل الصيام.

والعاجز عن الصوم لا يجب عليه الصوم، ولكن العجز على نوعين:
أحدهما: أن يكون عجزاً طارئاً يرجى زواله: كالمريض الذي يرجو البرء، فهذا لا يجب عليه الصوم أداء في رمضان مادام يشق عليه، ولكن ينتظر حتى يعافيه الله فيصوم، لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فلو مات قبل أن يعافيه الله سقط عنه الصوم.
الثاني: أن يكون عجزه عن الصوم دائماً لا يرجى زواله: كالكبير، وأصحاب الأمراض الممتدة التي لا يرجى زوالها، فهؤلاء لا صيام عليهم، ولكن يجب عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً: إما مدّ بُرّ أو نصف صاع من تمر، أي حوالي ثلثي كيلو من البر، أو كيلو وسدس من التمر.

والمسافر لا يجب عليه الصوم أداء، بل يجوز له أن يصوم في السفر، ويجوز أن يفطر ويقضي الأيام التي أفطرها إذا انتهى سفره. واختلف العلماء: أيهما أفضل للمسافر الفطر أم الصيام إذا لم يكن عليه مشقة؟
والأرجح أن الأفضل الصيام، لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصوم في سفره، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة (متفق عليه)، وفي حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، الحديث رواه مسلم، ولأن الصيام في نفس الشهر أسهل من القضاء غالباً.

أما إن كان على المسافر مشقة في الصوم فإن الصوم يكون مكروهاً في حقه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى رجلاً قد ظلل عليه في السفر وازدحم الناس عليه، وقالوا: إنه صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر".

وإذا خرج المسافر من بلده صائماً فله أن يفطر بقية يومه، ويقضيه بعد رجوعه مع الأيام التي أفطرها فيما بعد.

وإذا قدم المسافر إلى بلده وهو مفطر لم يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم، لأنه لا يستفيد بهذا الإمساك شيئاً، والفطر مباح له في أول النهار ظاهراً وباطناً، فكانا مباحاً له في آخره، ولذلك يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "من أكل أول النهار فليأكل آخره"، ذكره في المغني ولم يتعقبه، وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما الله وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، والرواية الثانية عن أحمد: يلزمه الإمساك، وإن كان لا يستفيد به شيئاً من حيث سقوط القضاء عنه.

والمرأة إذا كانت حائضاً، أو نفساء لم يجب عليها أداء الصيام، بل ولا يجوز لها أن تصوم حتى تطهر.
فإذا صامت ثم طرأ عليه الحيض أفطرت وقضت يوماً مكانه، كما تقضي بقية أيام الحيض، وإذا كانت حائضاً ثم طهرت قبل الفجر ولو بزمن قليل في رمضان، فإنه يجب عليها صيام ذلك اليوم، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، وصومها صحيح.

أما إذا كان طهرها بعد طلوع الفجر ولو بيسير فإن صومها ذلك اليوم لا يصح، ولكن هل يجب عليها الإمساك؟ فيه القولان السابقان في المسافر إذا قدم مفطراً.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/8/0931هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد التاسع عشر - كتاب الصيام.