هل يؤخذ من الحُبُسِ تكاليفه؟

السؤال: هل يصح أن يؤخذ من الحُبُس نفقات تكاليفه من رعيه وسقيه؟ خصوصاً إذا كان المحبس عليه فقيراً؟
الإجابة: إن الوقف الذي هو الحبس الأصل: أن تكون نفقاته من غلته إذا كان له غلة، وهذه الغلال يبدأ فيها بنفقة الوقف قبل حظ الموقوف عليهم، لأن هذا الذي يقتضي استمرار الوقف، واليوم من المعلوم أن وقف الحيوان أصبح مشكلة لأهل هذه البلاد، وذلك أن غلة الحيوان في أكثر المجتمعات لا يمكن أن تباع ولا أن ينتفع منها، أنت لا يمكن أن تبيع لبن الحيوانات الموقوفة عليك لتنفق على الحيوانات منها، وأيضاً حتى لو بيعت فإنها لا تكفي لنفقات الحيوان.

ومن هنا فالذي أراه والله تعالى أعلم أن على أصحاب الحيوانات الموقوفة أن يبيعوها وأن يجعلوا ثمنها في عقارات ثابتة، ويكون العقار وقفاً ورَيْعُه وغلته تُصرف للموقوف عليهم.

والسبب أن أهل العلم اختلفوا في وقف الحيوان أصلاً، ومثله المنقول كله، فذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الوقف مختص بالعقار والأصول وما اتصل بها وأنه لا يجوز وقف الحيوان ولا المنقول، وذهب جمهور أهل العلم إلى جواز وقف الحيوان، واستدل الجمهور بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فقد احتبس أسيافه وخيله في سبيل الله"، فخالد بن الوليد رضي الله عنه لما خرج ساعي النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الزكاة إلى أهل مكة رجع، فقيل: لم يؤدِّ العباس ولا خالد ولا ابن جميل -ثلاثة من رجال قريش الأغنياء- لم يؤدوا الزكاة إلى ساعي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما العباس فهي عليّ ومثلها معها، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اقترض منه زكاة سنتين وهذا هو الدليل على أن الزكاة يجوز تقديمها عند الحاجة، فقد اقترض النبي صلى الله عليه وسلم من العباس زكاة ماله سنتين، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أسيافه وخيله في سبيل الله، أي أن ما يملكه خالد إنما كان سلاحاً وهو وَقْفٌ وَقَفَهُ في سبيل الله فليس ملكاً له وبالتالي لا تجب عليه زكاته، وأما ابن جميل فما ينقم ابن جميل إلا أن أغناه الله ورسوله من فضله، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يلُم إلا واحداً من الثلاثة وهو ابن جميل حين لم يؤد الزكاة، أما خالد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه قد احتبس أسيافه أو أدراعه وخيله في سبيل الله، وهذا يدل على جواز وقف المنقول، والمنقول مثله الحيوان.

فإذا كان الإنسان وقف الخيل في سبيل الله ووقف الدروع والسيوف فهذا دليل على جواز وقف الحيوان ووقف المنقول كله، ولكن مع هذا فلا شك أن وقف العقار أسلم وأبعد من الريبة وأبقى للاستمرار، فالوقف يقصد به الاستمرار، الوقف المعقب يقصد به الاستمرار، وهو موقوف على الأجيال اللاحقة، وإنما تنتفع به إذا كان عقاراً ثابتاً، فإذا اشترى الإنسان من ثمن الحيوان محلاً تجارياً يُستأجر أو شقة تستأجر فإن ريعها سيبقى، وستشترك فيه الأجيال اللاحقة ويكون ذلك أنفع لهم، أما الحيوان فإن نفعه بالأخص في زماننا هذا محدود يسير، وإذا كان أهل البوادي يرغبون في الإبقاء على حيواناتهم أو يحتاجون إليها وبالأخص في بعض فصول السنة فإذا كانوا موقوفاً عليهم فبالإمكان أن يشتروا من ريع الوقف إذا كان عقاراً حيوانات يملكونها لأنفسهم ويبيعونها متى شاءوا، والوقف لا يُمكن فيه البيع، الوقف لا يمكن فيه ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمر حين قال: يا رسول الله إن سهمي الذي بخيبر هو خير مال تأثلته فمرني أجعله حيث شئت، فقال: "إن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها غير أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث"، فجعلها عمر وقفاً في سبيل الله على أن يلي هو أمرها ما دام حياً ثم تليها حفصة من بعده ثم يليها صالح آل عمر من بعد لا يتأثل منها مالاً ويطعم منها كما يطعم الفقراء.

فهذا وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغلته تصرف على الفقراء واليتامى والمساكين وثمرته تستغل وأصله باقٍ خالد، فهذا النوع هو أبقى للوقف وأنفع.

وهنا التنبيه على أمر لا بد منه وهو أن أهل العلم اختلفوا في الوقف هل ينقل الملك أم لا، وأقوال أهل العلم في هذا الباب ثلاثة، المذهب الأول مذهب أبي حنيفة أن الوقف ينقل الملك، فيكون ملكاً لله تعالى، أي يتحرر من ملك المخلوق، فيكون ملكاً لله، وعلى هذا لا تجب فيه الزكاة، ويكون وليه الأمير أو القاضي، ويقوم الناظر فيه بالتصرف على الوجه الصحيح، وهذا القول دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تباع ولا توهب ولا تورث"، والمال المملوك للمخلوق لا بد أن يكون صالحاً لأن يباع ويوهب ويورث.

القول الثاني: مذهب أحمد والشافعي أن الوقف ينتقل ملكه إلى الموقوف عليه، فالموقوف عليهم يملكون الوقف ويحجر عليهم فيه فلا يجوز لهم بيعه ولا ميراثه وإنما ينتفعون به، وهذا المذهب يستدل أصحابه بأن تسبيل الحيوان أي تسييبه بأن لا يكون له مالك محدد منهي عنه شرعاً، وقد قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103]، وكونه ملكاً لله تعالى يجعله من باب السائبة.

القول الثالث: هو مذهب المالكية وهو أن الوقف لا ينتقل ملكه عن الواقف أصلاً، لأنه لم يُعطِ إلا غلته وثمرته فبقيت عينه مملوكة للواقف.

وهذا الخلاف يترتب عليه أمران، إذا كان الموقوف حيواناً أو مالاً تجب فيه الزكاة، فعلى من تكون زكاته؟ فعند أبي حنيفة لا يزكى أصلاً لأنه مال عام لله تعالى، وعند الشافعية والحنابلة تجب زكاته على الموقوف عليهم من ملك منهم نصاباً أضافه إليه وجعله منه، وعند المالكية تجب زكاة الوقف على الواقف، فيضاف إلى ماله ما دام حياً، فإن هو مات فقد اختلفوا، فقالت طائفة منهم تخرج الزكاة من أعيانه، وهذا الذي أخذ به جمهور أهل المذهب، وقالت طائفة أخرى: بل إذا مات فإن الزكاة تنتقل إلى الموقوف عليهم فهم يخرجونها كما شاءوا، إن شاءوا استبقوا الأصول وأخرجوا الزكاة من خارجها وإن شاءوا أخرجوها منها، وعند الشافعية والحنابلة الزكاة تجب على الموقوف عليهم كما بينا.

المسألة الثانية هي إذا كان الموقوف رقيقة مثلاً فمن وليها، من الذي يزوجها، فعند الحنفية يزوجها الوالي العام أو القاضي لأنها ملك لله وليس لأحد عليها سلطان، وعند الشافعة والحنابلة إنما يزوجها الموقوف عليه لأنه وليها، وعند المالكية يزوجها أولياء الواقف ولو بَعُدَ ذلك، فهذا الخلاف قائم وبه يفهم أن المقصد الشرعي في الوقف الاستمرار.

وعلى ذلك فإن الفتوى التي ذكرتها سابقاً، وهي أنني أقترح على الذين يحوزون حيواناً موقوفاً أن يبيعوه وأن يشتروا به عقاراً أنها وجيهة لأنهم عرفوا الآن الخلاف بين المذاهب في المسألة وعرفوا أدلة الجميع، وبالتالي عرفوا أن الشارع يتشوف لاستمرار الوقف وبقائه وإنما يتم ذلك بالأمور العقارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.