هل الله خلق آدم وخلق الفردوس بيده

السؤال: يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: سبحان من غرست يداه *** جنة الفردوس عند تكامل البنيان ويداه أيضاً أتقنت لبناتها *** فتبـارك الرحمن أعظــم باني هـل في الجنان كآدم؟ *** وكلاهما تفضيله من أعظم شان كل هذه النصوص تدل على أن الله خلق آدم وخلق الفردوس بيده خلافاً لبقية المخلوقات في الخلق، لكن يا شيخ لدي إشكال، وهو أن الله صور آدم من تراب، ثم لما يبس نفخ الله فيه الروح، فهل هذا الفهم صحيح؟ نرجو بيان وتوضيح حتى يزول هذا الإشكال من ذهني؟
الإجابة: أبيات الإمام ابن القيم حق، وهو يبين بأن الله تبارك وتعالى غرس جنة الفردوس بيده، وأنه سبحانه وتعالى قد سوى آدم بيديه كما تؤكده نصوص القرآن: {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه}، فقول الله له: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} إنما هو إخبار من الله بأن هذه فضيلة لهذا المخلوق أن الله قد خلقه بيديه، وليس {بيدي} يعني بقدرتي، فإن الله خلق الخلق كلهم بقدرة الله عز وجل، فالمخلوقات كلها مخلوقة بقدرة الله تبارك وتعالى: {إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فميّز الله تبارك وتعالى آدم في الخلق بأن سواه بيديه سبحانه وتعالى، ولذلك عندما يستشفع الناس بآدم يوم القيامة يقولون له: "يا آدم: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم"، وكذلك جاء في الحديث أن الله تبارك وتعالى غرس غراس جنة عدن بيديه، وجنة عدن هي جنة الإقامة، وهذا من إكرامه سبحانه وتعالى لأوليائه، فهذا إثبات لهذه الصفة ونحن نؤمن بصفات الله سبحانه وتعالى على النحو الذي أخبرنا به دون تكليف ولا تشويه ولا تمثيل، لا نقول كيفيتها كذا، وصورتها كذا، وهي مثل كذا، وإنما نقول نؤمن بكلام الله تبارك وتعالى على مراد الله عز وجل فنؤمن أن لله يدين، ولكن ليس كأيدينا كما قال جل وعلا عن ذاته: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فهو سميع بصير، السمع والبصر يقصد بهما المخلوقات العلوية والسفلية، فإن الحيوان يوصف بأنه يسمع ويبصر، حتى أدنى المخلوقات يسمع ويبصر، والإنسان يسمع ويبصر كما قال تبارك وتعالى في الإنسان: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً} فالإنسان سميع بصير، لكن سمع الإنسان وبصره ليس كسمع الله تبارك وتعالى، فسمع الله جل وعلا وبصره لائق بذاته، وسمع الإنسان وبصره مناسب لحاله، وكذلك في سائر صفات الله تبارك وتعالى إذا كان هناك وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، كالرحمة والسمع والبصر والعلم والإرادة والمشيئة، فالصفة إذا نسبت إلى مخلوق فهي تناسب حاله، وأما الرب تبارك وتعالى إذا نسبت إليه الصفة فهي لائقة بذاته وبجلاله سبحانه وتعالى.