ما يُفعل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة

السؤال: سائل يسأل عما يفعله بعض الذين يزورون المدينة، فتجد بعضهم كلما صلى الفريضة جاء إلى القبر الشريف واضعاً يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، ويحني رأسه وظهره كأنه راكع، وبعضهم يفعل هذا في جميع أنحاء المسجد ويأتون بأدعية يسردونها، ويكررون هذا عقب كل فريضة، ويزعمون أن هذا من الدين. فهل ورد هذا عن أحد من الصحابة أو التابعين، أو قال به أحد من أئمة المسلمين؟
الإجابة: حاشا وكلا. لم يثبت هذا عن أحد ممن ذكرتم، بل الذي ورد عن أئمة السلف النهي عن مثل ذلك، فعن علي بن الحسين زين العابدين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !؟ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" (رواه في (المختارة)) (1).

وروى سعيد بن منصور في (سننه) (2) عن سهل بن أبي سهل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، قلت: لا أريده، قال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء (3).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فانظر إلى هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم قرب النسب وقرب الدار.
وقال: ما علمت أحداً رخص في ذلك؛ لأنه نوع من اتخاذه عيدا. وهذا يدل على أن قصد الإنسان القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك لم يشرع. وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي القبر؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلونه، وقال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها (4).

▪ والمقصود: أن الصحابة ما كانوا يعتادون السلام عليه عند قبره كما يفعله مَن بعدهم من الخلف، وإنما كان يأتي بعضهم من خارج فيسلم عليه إذا قدم من السفر كما كان ابن عمر يفعله. قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. ثم ينصرف. قال عبيد الله: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر (5). وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء كما يفعله اليوم كثير من الناس.

قال شيخ الإسلام: إن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة؛ فكان بدعة محضة. وفي (المبسوط) (6): قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يسلم، ثم يمضي.

▪ وأما الوقوف على هذه الصفة التي ذكرها السائل، من الخضوع ووضع اليد اليمنى على اليسرى والانحناء بالرأس والظهر فهذه الأشياء لا تليق إلا برب العالمين؛ فهو الذي يستحق أن يُخضع بين يديه في الصلاة وغيرها. وأما صرفها لمخلوق، فهو من الأمور المحرمة، ومن الغلو المنهي عنه. ويتعين على طلبة العلم وغيرهم وعلى رجال الحسبة التنبيه على هذا، والنهي عنه. والله الهادي إلى سواء السبيل.

___________________________________________

1 - الضياء في (المختارة) (428)، وروى المرفوع منه أبو هريرة عند: أحمد (2/367)، وأبي داود (2042).
2 - هو في (مصنف) عبد الرزاق (3/ 577)، و(مصنف) ابن أبي شيبة (2/ 375، 3/ 345).
3 - انظر (الفتاوى) (27/ 383).
4 - (الفتاوى) (27/ 384).
5 - البيهقي (5/ 245)، وعبد الرزاق (3/ 576).
6 - هو لإسماعيل بن إسحاق، من فقهاء المالكية.