التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم

إذا دعونا الله سبحانه وتعالى وتضرعنا له بالدعاء، وذكرنا في الدعاء أن يستجيب لنا سبحانه وتعالى بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الدعاء؛ لأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أصاب الجزيرة العربية قحط دعا الله بجاه عم محمد صلى الله عليه وسلم العباس أن يفرج عن الأمة، فهل هذا جائز أم لا؟
التوسل بالجاه ليس بمشروع، وإنما المشروع التوسل بأسماء الله وصفاته، كما قال الله سبحانه: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فيسأل الله بأسمائه، كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم بأنك الجواد الكريم اغفر لي ارحمني اهدني سواء السبيل ونحو ذلك؛ لأن الدعاء عبادة وقربة عظيمة كما قال الله سبحانه وتعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (180 الأعراف)، وقال عز وجل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) الآية (186 البقرة)، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاء هو العبادة) ويقول - صلى الله عليه وسلم -: (ما من عبدٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك)، قالوا يا رسول الله: إذن نكثر! قال: (الله أكثر). فالمسلم إذا دعا وتضرع إلى الله فهو على خير عظيم مأجور ومثاب، وقد تؤجل دعوته لحكمة بالغة، وقد يصرف عنه من الشر ما هو أعظم من المسألة التي سأل، لكن لا يتوسل إلى الله إلا بما شرع، بأسمائه سبحانه وصفاته، أو بتوحيده سبحانه كما في الحديث: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد) أو بأعمالك الصالحة تقول: يا رب أسألك بإيماني بك وإيماني بنبيك محمد عليه الصلاة والسلام، اللهم إني أسألك بحبي لك أو بحبي لنبيك محمد عليه الصلاة والسلام، أو اللهم إني أسألك ببري لوالدي، أو بعفتي عما حرمت علي يا رب، أو ما أشبه ذلك، تسأله بأعمالك الصالحة التي يحبها وشرعها سبحانه وتعالى. ولهذا لما دخل ثلاثة فيمن قبلنا قبلنا غارا بسبب المبيت، وفي رواية أخرى: أنه بسبب المطر، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: إنها انطبقت عليهم صخرة من أعلى الجبال، فسدت عليهم الغار، لا يستطيعون دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه المصيبة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوا الله سبحانه وتعالى، فتوسل أحدهم بأنه كان باراً بوالديه، ودعا ربه أن يفرج عنهم الصخرة بسبب بره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ثم قال الثاني: إنه كان له ابنة عم يحبها كثيراً فأرادها على نفسها فلم تجب، فألمت بها حاجة شديدة وجاءت إليه تطلبه العون، فقال: لا، إلا أن بأن تمكنه من نفسها، فوافقت على ذلك بسبب حاجتها على أن يعطها مائة وعشرين ديناراً....، فلما جلس بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف من الله وقام وترك الفاحشة وترك الذهب لها، ثم قال: يا رب اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عنهم بعض الشيء، لكنهم لا يستطيعون الخروج، ثم توسل الآخر بأداء الأمانة، وأنه كانت عنده أمانة لبعض الأجراء، فنماها وثمَّرها حتى اشترى منها إبلاً وبقراً وغنماً ورقيقاً، وكانت آصعاً من أرز أو من ذرة، ثم جاءه الأجير يسأله حقه، فقال له: كل هذا من حقك، كل هذا الذي تراه من حقك من إبل وبقر وغنم ورقيق! فقال له الأجير: اتق الله ولا تستهزئ بي! قال: إني لا أسخر بك هو مالك، فأخذه كله، فقال هذا الرجل: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فانفرجت عنهم الصخرة وخرجوا) هذا بأسباب إيمانهم بالله وتوسلهم إليه بأعمالهم الصالحة، فالوسيلة الشرعية هي التوسل بأسماء الله وصفاته، أو بتوحيده والإخلاص له، أو بالأعمال الصالحات، هذه الوسيلة الشرعية التي جاءت بها النصوص. أما التوسل بجاه فلان أو بحق فلان فهذا لم يأت به الشرع، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه غير مشروع، فالأولى تركه، وأن يتوسل الإنسان بالوسائل الشرعية التي جاءت بأسماء الله وصفاته، أو بتوحيده، أو بالأعمال الصالحات، هذه الوسائل الشرعية التي جاءت بها النصوص. وأما ما فعله عمر - رضي الله عنه - فهو لم يتوسل بجاه العباس، وإما توسل بدعائه، قال - رضي الله عنه - لما خطب الناس يوم الاستسقاء عندما أصابتهم المجاعة والجدب الشديد والقحط، صلى بالناس صلاة الاستسقاء وخطب الناس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون، وكانوا يستسقون بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته يقولون: ادع لنا، فيقوم هو يدعو لهم يخطب الناس يوم الجمعة ويدعو فيقول: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وهكذا في صلاة الاستسقاء يتوسلون بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه جل وعلا وسؤاله الغوث، وهكذا قال للعباس: يا عباس قم فادع لنا، فقام العباس ودعا، ورفع يديه ودعا الناس وأمنوا فسقاهم الله عز وجل، فهو توسل بعم النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعائه واستغاثته ربه عز وجل وسؤاله إياه سبحانه وتعالى لفضل العباس وقربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من أفضل الصحابة ومن خير الصحابة رضي الله عن الجميع، فإذا توسل المسلمون بالصالحين من الحاضرين عندهم بدعائهم مثل أن يقولوا: يا فلان، يقول الإمام أو غير الإمام كولي الأمر: يا فلان قم فادع الله، من العلماء الطيبين والأخيار الصالحين، أو من أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- الطيبين، فقالوا في الاستسقاء: قم يا فلان فادع الله لنا؛ مثلما قال عمر للعباس هذا كله طيب، أما التوسل بجاه فلان فهذا لا أصل له، بل ينبغي تركه؛ لأنه من البدع، والله جل وعلا أعلم.