حكم المشاركة في الانتخابات

السؤال: البعض يقول إن عدم المشاركة في الانتخابات حرام لأنها أمانة، والبعض الآخر يقول المشاركة فيها حرام؛ فما رأى الدين في ذلك؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن حكم المشاركة في الانتخابات له حالتان:

الحالة الأولى: إذا كان نظام الحكم إسلامياً، وقد خضع وانقاد لحكم الله تعالى في قوانينه ولوائحه وأحكامه وأدبياته، وكان المنتخبون يحملون المواصفات الشرعية لأهل الحل والعقد، كالعلم والعدالة والاستقامة والرأي والحكمة، وكانوا أهل شوكة في الناس يحلُّون الأمور ويعقدونها: فلا مانع عندئذ من المشاركة في انتخابات هذا وصفها، ولا فارق مؤثر بينها وبين الاختيار الذي كان يتم في زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.

بل المشاركة فيها من إيصال الأمانة التي أمر الله بحفظها وتأديتها إلى أهلها؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، ومن الأمانة، اختيار أهل العلم والإيمان وتوسيد الأمر إليهم؛ ففي (مسند أحمد وصحيح البخاري) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

الحالة الثانية: أن يكون نظام الحكم غير إسلامي؛ كالنظام الديموقراطي أو الشيوعي أو الدكتاتوري وغيرها من الأنظمة الوضعية المنافية للإسلام؛ فقد اختلفت أنظار العلماء المعاصرين، فمنهم من رأى الجواز، إن كان يحقق مصلحة شرعية راجحة، ونصرة للحق وتخفيفاً للشر والظلم، ورفض الباطل أو التخفيف منه أو إظهار الحق أو بعضه أو الحد من تواجد أهل الباطل من غير مباشرة لمعصية، أو التزامٍ بأصل من أصول الكفر، أو إقرار باطل أو رد شيء من الحق أو موافقة على حكم من أحكام الطاغوت المخالفة لشرع الله؛ فالمشاركة في هذا الوجه مشروعة، عملاً بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وهو ما ذهب إليه العلامتان ابن باز وابن عثيمين.

ومن أهل العلم من ذهب إلى المنع من المشاركة لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة، ومنها: الركون إلى الظالمين، وحضور مجالسهم، واختلاط الحق بالباطل، وعدم ظهور راية أهل الإيمان، وتمايزهم عن أهل الكفر والطغيان، والله تعالى قد نهى عن ذلك كله فقال: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113]، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء:140]، وقال تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح :25].

إضافة إلى القَسَم على احترام الدستور الوضعي، وعدم الجدوى من ذلك؛ لأن حلّ البرلمان في يد المتسلطين على الحكم؛ فلو قُدِّر أن الإسلاميين المصلحين استطاعوا أن يُكَوِّنوا أغلبية في البرلمان، فسيُحَلُّ البرلمان، ومن أشد المحاذير في التواجد تحت القبة البرلمانية صدور كثير من القوانين المعارضة للشرع، رغماً عن المصلحين، فلو قيل: هم مضطرون.

قلنا: فما الفائدة إذن من تواجدهم؟! فضلا عما يتعرض له المصلحون من فتنة شديدة، قد تؤدي بهم -لا قدَّر الله- إلى الانهزام النفسي أو فتنة المنصب.

ولكن إن رأى العلماء الراسخون المشاركة في هذه المجالس النيابية، فلا مانع منه حينئذ، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (مجموع الفتاوى): "ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة واستحباباً أخرى.

ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر؛ بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفاراً، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} [غافر:34]، وقال تعالى عنه: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [يوسف:39-40]، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16].

فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرَّمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرَّماً في الحقيقة، وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل مُحرَّم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أشد حرمة.

وهذا باب التعارض باب واسع جداً لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات؛ فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم على العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء. ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات".

والحاصل أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم المعاصرين؛ فلا يجوز فيها الإنكار على المخالف ولكن النصح والإرشاد مع بيان الأدلة قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:91]،، والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع الألوكة