سئل عمن يقرؤون القرآن في ختمة إلى سورة الضحى ولم يهللوا ولم يكبروا

السؤال: سئل عمن يقرؤون القرآن في ختمة إلى سورة الضحى ولم يهللوا ولم يكبروا
الإجابة: سُئلَ رَحمَهُ اللَّهُ عن جماعة اجتمعوا في ختمة وهم يقرؤون لعاصم وأبي عمرو، فإذا وصلوا إلى سورة ‏(‏الضحى‏)‏ لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة، ففعلهم ذلك هو الأفضل أم لا ‏؟‏ وهل الحديث الذي ورد في التهليل والتكبير صحيح بالتواتر أم لا‏؟‏

فأجاب‏:‏

الحمد للّه‏.‏

نعم إذا قرؤوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو الأفضل، بل المشروع المسنون، فإن هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا في أوائل السور ولا في أواخرها‏.‏

فإن جاز لقائل أن يقول‏:‏ إن ابن كثير نقل التكبير عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جاز لغيره أن يقول‏:‏ إن هؤلاء نقلوا تركه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ إذ من الممتنع أن تكون قراءة الجمهور التي نقلها أكثر من قراءة ابن كثير قد أضاعوا فيها ما أمرهم به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ فإن أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما تتوفر الهمم والدواعي إلى نقله‏.

فمن جوز على جماهير القراء أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أقرأهم بتكبير زائد، فعصوا لأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،وتركوا ما أمرهم به، استحق العقوبة البليغة التي تردعه وأمثاله عن مثل ذلك‏.

وأبلغ من ذلك البسملة؛ فإن من القراء من يفصل بها، ومنهم من لا يفصل بها وهي مكتوبة في المصاحف، ثم الذين يقرؤون بحرف من لا يبسمل لا يبسملون؛ ولهذا لا ينكر عليهم ترك البسملة إخوانهم من القراء الذين يبسملون، فكيف ينكر ترك التكبير على من يقرأ قراءة الجمهور‏؟‏ وليس التكبير مكتوبًا في المصاحف وليس هو في القرآن باتفاق المسلمين‏.

‏ ومن ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏

بخلاف البسملة، فإنها من القرآن، حيث كتبت في مذهب الشافعي وهو مذهب أحمد المنصوص عنه في غير موضع، وهو مذهب أبي حنيفة عند المحققين من أصحابه وغيرهم من الأئمة، لكن مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما أنها من القرآن، حيث كتبت البسملة، وليست من السورة، ومذهب مالك ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول في مذهب أبي حنيفة وأحمد‏.‏

ومع هذا فالنزاع فيها من مسائل الاجتهاد، فمن قال‏:‏ هي من القرآن حيث كتبت، أو قال‏:‏ ليست هي من القرآن إلا في سورة النمل، كان قوله من الأقوال التي ساغ فيها الاجتهاد‏.

‏ وأما التكبير، فمن قال‏:‏ إنه من القرآن فإنه ضال باتفاق الأئمة، والواجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فكيف مع هذا ينكر على من تركه‏؟‏‏!‏ ومن جعل تارك التكبير مبتدعًا أو مخالفًا للسنة أو عاصيًا فإنه إلى الكفر أقرب منه إلى الإسلام، والواجب عقوبته بل إن أصَرَّ على ذلك بعد وضوح الحجة وجب قتله‏.‏

ولو قدر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتكبير لبعض من أقرأه كان غاية ذلك يدل على جوازه، أو استحبابه، فإنه لو كان واجبًا لما أهمله جمهور القراء، ولم يتفق أئمة المسلمين على عدم وجوبه، ولم ينقل أحد من أئمة الدين أن التكبير واجب، وإنما غاية من يقرأ بحرف ابن كثير أن يقول‏:‏ إنه مستحب، وهذا خلاف البسملة؛ فإن قراءتها واجبة عند من يجعلها من القرآن، ومع هذا فالقراء يسوغون ترك قراءتها لمن لم ير الفصل بها، فكيف لا يسوغ ترك التكبير لمن ليس داخلاً في قراءته‏؟‏ وأما ما يدعيه بعض القراء من التواتر في جزئيات الأمور، فليس هذا موضع تفصيله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الثالث عشر.