البدعة الحسنة والبدعة السيئة

السؤال: حين أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيَّ بن كعب للصلاة أنكر ذلك، وقال: "ذلك شيء لم يكن..." كما في هذا الحديث: عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن عمر أمر أبيّ أن يصلي بالناس في رمضان، فقال: إن الناس يصومون بالنهار ولا يحسنون أن يقرؤوا، فلو قرأت القرآن عليهم بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيءٌ لم يكن، فقال: قد علمت ولكنه أحسن، فصلى بهم عشرين ركعة، أخرجه الضياء المقدسي في (المختارة 3/367 رقم1161)، وقال: محققه... إسناده حسن، و(كنز العمال 8/409/34719). وفي حديث البخاري حين قال عمر: "نعمت البدعة هي"... فقد فسرها أهل العلم بأنها بدعة لغوية. وما هي البدعة اللغوية!! ... إن البدعة لها معنى واحد فقط ... هو إحداث أمر جديد لم يسبق إليه ... فقول عمر رضي الله عنه لأبيّ: قد علمت ولكنه أحسن ... إذن فهو علم إنها بدعة لكنه استحسنها، وهذا أحد اجتهاداته رضي الله عنه كما هو معروف. أرجو إفادتي يا شيخ جزاك الله خيراً ... أرجو أن ترد علي لأني لم أجد رداً من أي شيخ ... فالكل يقول نفس الكلام بلا إجابة على تلك الاستداراكات. وللعلم صلاة التراويح لم يجمع عليها المسلمين، فهناك صحابيان وعالمان عارضوا التراويح في المسجد، أما الصحابة فهم أبي بن كعب رضي الله عنه كما تقدم ... و ابن عمر رضي الله عنه ... وأبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، وكذلك الإمام الصنعاني في: (سبل السلام)، والإمام صديق حسن خان في (فتح العلام).
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن الأثر الذي أشكل عليكم وهو عند الضياء في المختارة، ذكره أهل العلم، وقالوا: "مراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثُّ على قيام رمضان، ويرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً..." ذكره ابن رجب.

وعلى كل هذا الأثر الذي أشكل عليكم ضعيف لا تثبت به حجة، بل الصواب أنه مُنكر، فهو من رواية أبي جعفر عيسى بن ماهان الرازي عن الربيع، وأبوجعفر مُختلفٌ فيه، وأحسن أحواله أنه صدوق سيء الحفظ، غير أنه منكر الرواية عن الربيع، فقد نص غير واحد من الحفاظ أن الناس كانوا يتقون من حديث الربيع ما كان من رواية أبي جعفر، وقالوا كل ما في أخبار الربيع من مناكير فهي من جهة أبي جعفر، وقد كان أبو جعفر يتفرد بالمناكير عن المشاهير.

وقد ضعَّف الحديث غير واحد من أهل العلم، منهم الألباني في التراويح.

كما أن الجملة التي أشكلت عليكم بغير التأويل الذي ذكره ابن رجب وغيره، تخالف صريح النصوص الصحيحة التي جاءت في الصحاح واتفق عليها الشيخان، فقد ثبت عند البخاري ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان.

وجاء عند الترمذي وغيره عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصلِّ بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، ثم لم يصلِّ بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وزاد أبو داود والدارمي وغيرهما قوله: ثم لم يقم بقية الشهر.

فكل هذه أحاديث صريحة تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح بالمسلمين جماعة والحمد لله، أما قول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة"، فهو مثل قول ابن عمر رضي الله عنهما في صلاة الضحى عندما سئل عنها فقال: "بدعة ونعمت البدعة"، وهذا الأثر عند ابن أبي شيبة وقد صححه ابن حجر في الفتح.

قال ابن كثير وغيره من أهل العلم عليهم رحمة الله: "والبدعة على قسمين؛ تارة تكون بدعة شرعية، كقوله فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وتارة تكون بدعة لغوية: كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه".

والبدعة في الشرع تطلق على مقابل السنة، وهي الإحداث في الدين ما ليس منه.

وإطلاقها في اللغة أعم: فيشمل هذا وكل ما كان على غير مثال، فاتخاذ المخترعات الحديثة كالسيارة مثلاً بدعة من حيث اللغة، ولكن أصول الشرع تفيد حلها لأنها ليست في الدين، وما صنعه عمر رضي الله عنه له أصل في الشرع كذلك، ولكن لم يكونوا جماعة على إمام واحد، بل كانوا يصلونها جماعات متفرقة أو في البيوت أو منفردين، وليست في كل الشهر، وهذا أيضاً ما أراده ابن عمر في صلاة الضحى فقد قصد الاستمرار والمواظبة عليها، وقد روى مالك في الموطأ وغيره عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل فجمعهم على أبيّ بن كعب، قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: "نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون" يعني آخر الليل.

فثبت أن الناس كانوا يقومون أوله، فجاء عمر فجمعهم على إمام واحد، ورتبها لهم في الشهر أجمع، وهذا ما لم يكن قبل، ولهذا سميت بدعة من حيث الإطلاق اللغوي فما صنعه جديد، وإن كانت أصول الشرع تدل عليه أو جاءت به، قال ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم: "وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة"، ولهذا قال شيخ الإسلام: " أما صلاة التراويح فليست بدعةً في الشريعة، بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: "إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه"، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً. وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح (رواه أهل السنن)، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقاً، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم و يقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم".

هذا وأنبه إلى أنه جاء في بعض الروايات نص عمر بقوله: "إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة" وقد أشار إليها المباركفوري في تحفة الأحوذي، وكذلك في العون ومن قبله ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وهي في كتاب الصيام للفريابي.

وأخيراً لا يفوتني التنبيه على ما ذكرته من أن هناك صحابيان عارضوا التراويح في المساجد...، فأما ما نُقل عن أبيّ فلا يصح كما سبق، ولو صح ما صح الاستدلال به، وكيف يستدل به وهو قد صلى بالناس بعد ذلك!

وأما أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، فقد نقل عنه كما في الأوسط للطبراني ما يفيد الأمر بالمداومة عليها، وفيه قوله: "وإنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها"، كما أن هذا الأثر ضعيف لا يثبت فإن فيه زكريا بن أبي مريم وهو ضعيف، ومن فهم منه أنها لم تكن قبل عهد عمر أو لم يجمع لها الناس قبله ففهمه مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة التي تقدم ذكر طرف منها، وكلها تفيد صلاته صلى الله عليه وسلم لها جماعة بل وإقراره الصحابة من بعده على صلاتها جماعة، والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ ناصر العمر على شبكة الإنترنت.