هل الغش في الاختبار للضرورة

السؤال: أنا مُدَرِّسٌ في الثانوية الفنية، وأضطر للسماح للتلاميذ بالغش في الامتحانات العامة، على الرغم أنه لا مصلحة لي في ذلك؛ لأن أهالي التلاميذ يسببون مشاكل كبيرة لمن لا يفعل ذلك، وقد يعتدون بالضرب على المُدَرِّسين الذين يرفضون الغش، مع العلم أننا في محافظة أخرى غير محافظتنا، ولا نعرف أحد نحتمي به؛ فنضطر إلى السماح لهم بالغش؛ فهل نأثم لذلك، وفي آخر الامتحانات يُقَدِّمُ لنا أهالي الأولاد هدايا كثيرة؛ فهل نَقْبَلُهَا؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إن الغش في الامتحانات والسماح به من جهة المراقِبين من البَلاَيَا العظيمة، التي ابتُلِيَ بها المسلمون، وكان له أكبر الأثر في تَخَلُّفِهِم العِلمي؛ لأن الطَّالِب الذي يجتاز الامتحان يحصل على شهادة، يعمل بموجبها، إما في التعليم أو الطب أو غيرهما، ويُصبِح مُؤتمنا على ما تولى، وكيف يصحُّ له أن يَتَوَلَّى عملاً ويأخذ في مقابله مالاً وهو إنما حصل عليه بالغِشِّ والحيلة.

هذا ظُلْمٌ لنفسه، وظلمٌ وخِيَانةٌ لعموم الأُمَّةِ؛ فالغِشُّ في الامتحانات أعظم من الغش في كثير من المُعَامَلات، وواجب ‏المُسلم الإنكار على كل من سَهَّلَهُ أو تَعَاطَاهُ حَسْب الاستطاعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن رأى منكم مُنْكَراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ‏وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن غشنا ‏فليس منَّا" (رواه مسلم وغيره) من حديث أبى هريرة.

والغش خُلُقٌ مُحَرَّمٌ مذمومٌ، لا يتصف به المؤمن الذي يخاف ربه، فلا ينبغي له المعاونة عليه؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُواعَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة:2]، وعليه؛ فالواجب عليك القيام بالمراقبة التي كُلِّفْتَ بِها على أحسنِ وَجهٍ، ولا يَحِقُّ لك السَّمَاح لِلطُّلاب بِالغِشِّ، ولا التغاضي عنهم، لما في ذلك من العون على الغِشِّ المُحَرَّمِ، ونجاح من لا يستحق النجاح، وإعطائه شهادة الزُّورِ.

فإن لم تستطع كل هذا؛ لما ذكرته من أذى أولياء الأمور لكم، فيجب عليك إخبار المسؤولين؛ لحمايتكم من شرهم، فإن لم يفعلوا، فعليك الاعتذار عن دخول لجنة الامتحان، أو الاعتذار عن المُرَاقَبَةِ جُمْلَةً، حتى لا تُشَارِك في تَخْرِيج أجيالٍ لا تزيد الأمة إلا وَهَناً، واعلم أن "من تَرَكَ شيئاً لله عَوَّضَهُ الله خيراً مِنْهُ" كما صَحَّ عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما الهدايا التي يُقَدِّمُها لكم أهالي الأولاد: فهي رشوة، مُقابِل القيام بتسهيل الغش؛ لأبنائِهِم، وليست هدية خالصة؛ بدليل أنهم يُقْدِمُون على إيذاء من امتنع عن السماح بالغش، ولا يقدمون له تلك الهدايا؛ وفي (الصحيحين) من حديث أبي حميد الساعدي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عاملاً؛ فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله، هذا لكم، وهذا أُهْدِي لي. فقال له: أفلا قَعَدْتَ في بيت أبيك وأمك؛ فنظرت، أَيُهدى لك أم لا"، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية بعد الصلاة؛ فتَشَهَّدَ وأَثْنَى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد ، فما بال العامل نستعمله؛ فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أهدى لي. أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا! فوالذي نفس محمد بيده لا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ منها شيئاً، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيراً جاء به له رُغَاءٌ، وإن كانت بقرةً جاء بها لها خُوَارٌ، وإن كانت شاةً جاء بها تَيْعَرُ، فقد بلغت"، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

منقول من موقع الآلوكة.