ما حكم من يسخر بالذي يرفع يديه في صلاته؟

السؤال: ما حكم من يسخر بالذي يرفع يديه في صلاته، ويؤمن بجهر، ويقرأ سورة الفاتحة خلف الإمام، ويصلي التراويح إحدى عشرة ركعة، وأن طلاق الثلاث واحدة، ويعامله معاملة عداوة، ولا يصلي خلفه، ويلقبه بأنه وهابي وأنه خارج عن أهل السنة والجماعة؟
الإجابة: الذي يسخر بمن يقوم بهذه الأعمال المشروعة لا يخلو من حالين:

إما أن يسخر به لكونه طبق الأمر المشروع، ولهذا على خطر عظيم؛ لأنه إذا سخر به من أجل اتباع المشروع كان ساخراً بالمشروع نفسه، والسخرية بشرع الله كفر -والعياذ بالله- كما قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}.

وأما إن كان يسخر به لسوء فهمٍ عنده، ولعدم معرفة بالشرع عنده، فإنه لا يكفر، لكنه يكون قد أتى معصية حيث احتقر أخاه المسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

فتبين أن السخرية بمن يقوم بشرائع الله تنقسم إلى هذين القسمين:

إن سخر به من أجل تطبيق ما يراه شرعاً فهو كافر؛ لأن سخريته به سخرية بالشرع.

وإن سخر به معتقداً أنه ناقص الفهم، قليل العلم، حيث خالف رأي أئمة عنده، فهذا لا يكفر، لكنه يكون فاعلاً لمعصية عظيمة، عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أن يكون مثل هذا الخلاف سبباً للعداوة والبغضاء بين المسلمين، فإن هذه الأمور من الأمور الاجتهادية التي إذا بذل الإنسان فيها الجهد بقصد الوصول للحق من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم أخطأ فيها فإن له أجراً واحداً، وإن أصاب فإن له أجرين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اجتهد الحاكم فحكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران".

وأما تلقيب من فعل هذه السنن وهذه الأمور المشروعة بأنه مبتدع، وأنه وهابي، وأنه خارج عن السنة والجماعة، فإن هذا منكر وذلك لأن الذي يفعل الأمور المشروعة التي ثبتت بها السنة أقرب إلى الحق ممن يعتمد على تقليد فلان وفلان ممن هم عرضة للخطأ، ومن العجب أن هؤلاء المقلدين يضللون من خالفهم في تقليدهم وهم يتناقضون، فإننا إذا أبحنا لمن يقلد واحداً من الأئمة الأربعة أن يقدح بمن يقلد الإمام الثاني، فإننا نبيح لمن يقلد الإمام أن يقدح بمن يقلدون الإمام الأول، وهكذا يعرف المسلمون كلهم لا يُعرفون إلا بقدح بعضهم لبعض، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة أبداً، وليس أبو حنيفة بأولى بالصواب من مالك، ولا مالك بأولى بالصواب من أبي حنيفة، ولا هذان بأولى بالصواب من الإمام أحمد، ولا الإمام أحمد بأولى بالصواب منهما، ولا هؤلاء بأولى بالصواب من الشافعي، ولا الشافعي أولى بالصواب منهم، بل كلهم مجتهدون، والمصيب منهم من وافق الشريعة.

وأما قول السائل: بأن من فعل هذا كان وهابياً، فإني أبلغ السامعين جميعاً بأن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً أو مذهباً خارجاً عن المذاهب الإسلامية، بل إنها حركة لتجديد ما اندثر من الحق، وخفي على كثير من الناس، فهم في عقيدتهم متبعون للسلف، وفي مذهبهم في الفروع مقلدون للإمام أحمد -رحمه الله- ولا يعني ذلك أنه إذا تبين الصواب لا يدعون من قلدوه، بل هم إذا تبين لهم الصواب، ذهبوا إليه وإن كان مخالفاً لمن قلدوه؛ لأنهم يؤمنون بأن المقلد عرضة للخطأ، ولكن النصوص الشرعية ليس فيها خطأ.

وبهذا تبين أن هذه الدعوى التي يقصد بها التشويه لا حقيقة لها، وأن الوهابية ما هي إلا حركة لتجديد ما اندثر من علم السلف في شريعة الله سبحانه وتعالى، وهي لا تخلو أن تكون دعوة سلفية محضة كما يعرف ذلك من تتبعها بعلم وإنصاف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى - الجزء الثالث عشر - باب قراءة الفاتحة.