حد التطويل المنهي عنه في الصلاة

السؤال: نسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى بالناس فليخفف..."، ثانياً ما بين أيدينا من الكتب لا يزيد في الركوع على: "سبحان ربي العظيم" ثلاثاً، وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثاً، وأنا وجدت بعض الدعاة يطولون الركوع بدل من ثلاث مرات ستة وثلاثين مرة، هل هذا يجوز؟
الإجابة: بالنسبة للحديث هو حديث معاذ بن جبل أن رجلاً من الأنصار كان يعمل في النهار في مزرعته، فجاء إلى مسجد قومه في صلاة العشاء وهو يقود ناضحيه، فألقى أزمتهما على باب المسجد ودخل في الصلاة، فلما أحرم معاذ افتتح بعد الفاتحة بسورة البقرة وآل عمران، قرأ البقرة وآل عمران في الركعة الأولى، وكان ركوعه كقيامه، فنام الرجل في الصلاة، فلما استيقظ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوه إليه، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "من صلى بالناس فليخفف فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة"، وهذا الحديث صريح في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في أئمة الجماعة الذين يصلون بالناس، وهذا التخفيف لم يحدده بعدد محدد.

وقد قال ابن دقيق العيد رحمه الله: والله ما التخفيف الذي أمر به إلا الذي كان يفعله، فمن المستحيل أن يتعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فهو معصوم، فالتخفيف الذي أمر به هو الذي كان يفعله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الظهر فيقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ثلاثين آية، وفي الركعة الثانية ثلاثين آية بعد الفاتحة، وفي الثالثة خمس عشرة آية، وفي الرابعة خمس عشرة آية، وفي صلاة العصر كان يقرأ بعد الفاتحة خمس عشرة آية في الركعة الأولى، وخمس عشرة في الركعة الثانية، وسبع آيات بعد الفاتحة في الثالثة، وسبع آيات بعد الفاتحة في الرابعة كما في حديث أنس في صحيح مسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في صلاة الصبح، وكذلك صلى المغرب بسورة الأعراف يقسمها بين الركعتين، سورة الأعراف هي طولى الطوليين في العهد المكي، أطول ما نزل من القرآن قديماً الأنعام والأعراف، فكان يقسم الأعراف بين الركعتين في صلاة المغرب، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم صلى العشاء بسورة الطور وسورة النجم، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أيضاً صلى صلاة المغرب بسورة التين، وصلى العشاء أيضاً بسورة التين، وصلاها بسورة الزلزلة يكررها بين الركعتين عمداً، تعمد تكريرها فصلى الركعة الأولى بالفاتحة والزلزلة، والركعة الثانية بالفاتحة والزلزلة، وكانت صلاته متقاربة فركوعه كان قريباً من قيامه، ورفعه كان قريباً من ركوعه وكان يطيل فيه حتى قال علي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل في الرفع من الركوع حتى نقول هل سها، يظنون أنه سها من التطويل في الرفع من ركوعه، وكذلك في سجوده، وكان يعد له خمسون تسبيحة في الركوع، كان يسبح خمسين تسبيحة في ركوعه، وكذلك كان يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، سبحانك الله وبحمدك اللهم اغفر لي، سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفري"، وكان يقول في الركوع أيضاً: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، سبحان ذي الجبروت الملكوت والكبرياء والعظمة، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، وكان يقول في الرفع من الركوع: "ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".

وقد حضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الدعاء في السجود فقال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه لأنفسكم بالدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم"، وكان يقول: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، وكان صلى الله عليه وسلم في السجود يُكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه وذلك أدناه، ومن قال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً فقد تم سجوده وذلك أدناه"، وذلك أدناه أي هذا أقل التمام فهذا أدناه وليس أعلاه كما ذكر الشيخ، هذا أدناه.

وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده: فقد صحب العمل التطويل في الصلاة، فقد أخرج مالك في الموطأ عن الفرافصة، قال: ما حفظت سورة يوسف إلا من كثرة قراءة عثمان لها في الصبح، سورة يوسف كان عثمان كثيراً ما يقرؤها في صلاة الصبح إماماً للناس، فحفظها الفرافصة من في عثمان في الصلاة، وكان أبو بكر يصلي الصبح بالبقرة وآل عمران قراءة بطيئة، فيقولون له: يا خليفة رسول الله كادت الشمس تطلع، فيقول: لو طلعت ما وجدتنا غافلين.

وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس العشاء الآخرة ليلة وقد تأخروا فصلاها بسورة المؤمنون فقرأ من أولها، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيها ترتيل حتى يستطيع العادُّ أن يَعُدَّها كلمة كلمة، قرأها حتى بلغ ذكر موسى أو عيسى فأخذته سعلة فركع، أخذته سعلة: أي كحة، فركع صلى الله عليه وسلم.

فالصلاة هي صلتنا بالله سبحانه وتعالى، وعلينا أن لا نتعجل فيها وأن نعلم أنها مائدة الله سبحانه وتعالى وإذنه لنا، ونحن لا نرضى أن نكون من المحجوبين عن رب العالمين ومن أذن الله له بالصلاة فهو قد شرف تشريفاً عظيماً، ولهذا قال عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في مقدمة كتاب الصلاة والتهجد: "الحمد لله الذي أذن لعباده بطاعته فخروا بين يديه متذللين ولوجهه معظمين، لم يغلق بينه وبينهم باباً، ولا أسدل دونهم حجاباً، ولا خفض أودية ولا رفع شعاباً"، فتكريم عظيم أن يأذن الله للعبد في السجود بين يديه، وحاجتنا إلى الله لا حصر لها، ونحن نرفع إليه حوائجنا في سجودنا وصلاتنا، وكان عروة بن الزبير رضي الله عنه يسأل الله كل شيء في الصلاة حتى الملح للطعام، قال: أسأل الله كل شيء في سجودي حتى الملح للطعام، وكذلك فإن عدداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا صلوا لا يتحركون في الصلاة وتطول الصلاة، فيأتي الحمام فينزل فيبيض على عمائمهم يظن أنهم بمثابة الأساطين من عدم حركتهم وطول قيامهم.

وهذه الصلاة هي أهم أعمالنا وأمورنا، والذي لا يعطيها من وقته إلا دقائق محصورة يسيرة وتشق عليه مع ذلك ويعدها كبيرة لا يمكن أن يكون من الخاشعين: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}، فمن كان من الخاشعين لا تكبر عليه الصلاة، ومن لم يكن من الخاشعين لا بد أن تكبر عليه الصلاة وتشق عليه ويتطاولها ويرى أنها أمر عظيم جداً، وهي في الواقع راحة يرتاح بها الإنسان من هموم الدنيا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أرحنا بها يا بلال"، وقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله: "إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع وأضيع".

وأذكر مرة من المرات أنني قبل حوالي عشرين سنة صليت صلاة العصر في المسجد الجامع هنا الجامع السعودي، وأظن أنني خففتها جداً، فلما سلمت كلمني أحد الشيوخ في المسجد فقال: إن الصلاة طويلة وإنها أخذت وقتاً طويلاً وإنه مشغول ولديه التزامات، فقلت: يا أخي إذا خرجت من المسجد أين ستذهب، فقال: أريد الذهاب إلى لكصر، فقلت: هل لك سيارة قال: لا؟ قلت: كم ستمكث تنتظر الحافلة على الشارع؟ قال: ثلاثين دقيقة أو عشرين دقيقة، كم مكثت في الصلاة؟ عشر دقائق، الوقت الذي تمضيه في انتظار الحافلة لا تمضي نصفه في مناجاة الرب الكريم سبحانه وتعالى، فقال: صدقت، وكان بعد ذلك ممن يحرصون على تطويل الصلاة لأنه أدرك أن الوقت الذي يضيع هو الوقت الذي يمكثه الإنسان في غير مناجاة الله، ومناجاة الله تشريف عظيم وأمر ينبغي أن يشتاق إليه الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله، وذكر منهم: "ورجل قلبه معلق بالمساجد"، إذا كان الإنسان يتعلق بالمساجد وبالصلاة يشتاق إليها وينتظر وقتها، وإذا سمع النداء لا يسمع صوتاً أحسن عنده من حي على الصلاة حي على الفلاح، لا يسمع صوتاً أحسن عنده من التكبير والتهليل ويأتي مطمئناً فهذا الذي تكفر خطاياه وتكون صلاته ربحاً له، فكل خطوة يخطوها تكفر عنه بها سيئة وتكتب له بها حسنة وترفع له بها درجة ثم يكون بعد ذلك جلوسه في الصف وانتظاره للصلاة وصلاته كل ذلك ربحاً له، بعد أن كفرت خطاياه ورفعت منزلته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطايا؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط"، وقال صلى الله عليه وسلم: "بشر المشائين في سدف الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، فنحن محتاجون إلى هذا النور ومحتاجون إلى هذه الصلاة التي تكفر من خطايانا وترفع من درجاتنا، وتقربنا من ربنا سبحانه وتعالى، وحوائجنا لو أردنا كتابتها مجرد عريضة نكتبها لأخذت وقتاً كثيراً، الحوائج التي تريدها عند الله إذا أردت أن تكتبها في كتاب أليست ستأخذ وقتاً طويلاً؟ هذه الحوائج أرفعها إلى الله بسؤال الضراعة في الصلاة ولا تتعجل، ولذلك صلى أنس بن مالك رضي الله عنه خلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فأطال عمر الصلاة فلما سلم قال أنس: ما صليت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وراء أحد أشبه به صلاة من هذا الفتى، كان يركد في الأوليين ويخف في الأخريين، كان يتم الركوع والسجود ويخف القيام والجلوس.

وكذلك فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما ولاه عمر رضي الله عنه على العراق اشتكاه رجل من بني أسد فذكر أن سعداً لا يُحسن الصلاة بالناس وأنه يطيلها بهم، فدعاه عمر فقال: ماذا تصلي لهم، فقال: والله إني لأصلي لهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أركد في الأوليين وأخف في الأخريين فقال: ذلك الظن بك، فلذلك الركعتان الأولييان لا بد أن تشكلا عقدة الصلاة، لا بد أن يركد فيهما الإنسان لأن نفسه تأتي من بعيد في رحلة إلى الله كما قال البشير بن امباريگي رحمه الله:
وإن عماد الدين لله رحلة *** وعند انتهاء السير تستأنف النجوى
لا بد أن يفهم الإنسان أنها رحلة إلى الله وفي بدايتها يتأهب بالخشوع والحضور ويهيئ نفسه لذلك ويجاهدها، فالنفس تريد الفرار من الباب فإذا رددتها حاولت الفرار من النافذة، فإذا رددتها استقامت فيكون ذلك شاقاً في الركعتين الأوليين ثم ينسجم في الركعتين الأخريين فآخر الصلاة هو الخاتمة، وينبغي أن يكون أحسنها كما ترجوا أن يكون خير أعمالك آخر عمرك.

فلهذا علينا أن لا نستطيل الصلاة وأن نحرص على صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.