مصاب الأمة بفقد العلماء

السؤال: هل للشيخ من كلمة في وفاة العلماء كالشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله؟
الإجابة: لا شك أن وفاة العلماء من المصائب، وأن العلم إنما يقبض بقبض العلماء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: "إن الله لا يأخذ العلم انتزاعا، ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم" رواه البخاري: العلم (100)، ومسلم: العلم (2673)، والترمذي: العلم (2652)، وابن ماجه: المقدمة (52)، وأحمد (2/162)، والدارمي: المقدمة (239). وفي رواية: "حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" رواه البخاري: العلم (100)، ومسلم: العلم (2673)، والترمذي: العلم (2652)، وابن ماجه: المقدمة (52)، وأحمد (2/162،2/190،2/203)، والدارمي: المقدمة (239).

وقال بعض العلماء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [سورة الرعد: آية 41] هذا في موت العلماء، لا شك أن موت العلماء، ولا سيما علماء أهل السنة والجماعة ولاسيما العلماء الربانيون، الذين يعملون بعلمهم ويفتون الناس، ويعلمونهم ويربونهم بصغار العلم قبل كباره، لا شك أن هذا مصيبة من المصائب، فالواجب الترحم عليهم، والترضي عنهم.

والواجب أن يحرص طالب العلم على طلب العلم، والعناية به، وأخذ العلم من أفواه العلماء قبل موت العلماء، وأخذ العلم من العلماء قبل فواتهم، لأن العلم لا يقبض من صدور الرجال، وإنما يقبض بموت العلماء، ليجري عليهم الموت واحدا بعد واحد، حتى لم يبق إلا جهال، فمن أين يؤخذ العلم؟ هذا فيه الحث على طلبه والعناية بالعلماء، والأخذ عنهم، ما داموا موجودين، وكان ابن عباس رضي الله عنهما عنده حرص، وعنده عناية، كان حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قد ناهز الاحتلام، فكان وهو وزميله الأنصاري يحرصون على طلب العلم، ثم بدأ الأنصاري قال: ما في داعي الآن، فالصحابة متوافرون ما فيه حاجة، فتركه ابن عباس وجعل يطلب العلم، ويأتي إلى كثير من الصحابة يذكر عنده حديث فيتوسد يده وينام حتى يخرج، ولا يطرق الباب عليه، فإذا خرج قال لماذا يا ابن عم رسول الله؟ ما أخبرتني؟ فيقول: لا أنا أحق بأن أتحمل.

ولا يزال يأخذ العلم عن العلماء حتى صار عالما كبيرا من العلماء الكبار، حتى فقَّهه الله في الدين وعلمه التأويل، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة نبيه: "اللهم فقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمْه التأويل" رواه البخاري: الوضوء (143)، ومسلم: فضائل الصحابة (2477)، وابن ماجه: المقدمة (166)، وأحمد (1/266).

وانقرض الصحابة وصار ابن عباس عالماً كبيراً، وصار الناس يفدون إليه من كل الجهات، ومن كل بلد فصار الناس يأتون إليه زُرافات ووحداناً، يأتي أهل التفسير، ويأتي أهل الحديث، فإذا انتهوا جاء أهل الحديث، فإذا انتهى جاء أهل الشعر والأدب، وجاء أهل اللغة، وهكذا.

والأنصاري زميله صار موجوداً فلمّا رأى الناس يحتاجون إليه وهو يفيد الناس ويعلِّمهم، قال: هذا كان أعقل مني.

فينبغي لطالب العلم أن يحرص على أخْذ العِلم من العلماء قبل وفاتهم.